سورة ص · الآية ٤١ من ٨٨

‹ السورة السابقة
وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَاۤ أَیُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥۤ أَنِّی مَسَّنِیَ ٱلشَّیۡطَٰنُ بِنُصۡبࣲ وَعَذَابٍ٤١
الرسم الإملائيّ

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ

الجزء ٢٣الربع ١٨٢ صفحة ٤٥٥

تفسيرها

[سورة ص — آية 41]

}وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴿ بتعب ﴾ وَعَذَابٍ (41) ﴿ ألم؛ أضاف ذلك إلى الشيطـان لأنه (لعله) بسبب طـاعته له، كما قال: ﴾وَمَا أصابَكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم }{ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) ﴿وتذكيرا لهم لينتظروا الفرج بالصبر، والالتجاء إلى الله فيما يحيق بهم . ﴾ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴿ الضغث: الحزمة الصـغيرة من الحشيش ونـحوه؛ ﴾فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴿ فيما أصابه، وفيما تعبد به، ﴾نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44){.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠١١

[سورة ص — آية 41]

قوله : ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ أي : ببلاء وشرّ . قال بعضهم : النصب : الضر في الجسد ، والعذاب : ذهاب ماله . وتفسير الحسن بنصب وعذاب في جسده؛ وقد فسّرنا قصته وقصة امرأته في سورة الأنبياء وكيف ذهب ماله .

فأوحى الله إليه أن ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ فركض برجله ركضة وهو لا يستطيع القيام ، فإِذا عين فاغتسل منها فأذهب الله ظاهر دائه ، ثم مشى على رجليه أربعين ذراعاً ، ثم قيل له : اركض برجلك ايضاً ، فركض ركضة أخرى فإِذا عين فشرب منها فأذهب الله عنه باطن دائه .

وقال الكلبي : وكساه الله ثياباً جديدة حساناً . وجلس على شاطئ نهر ، فجاءت امرأته بطعام قد أصابته ، فنظرت فإذا الغار ليس فيه أحد؛ فلم تشك أن السبع قد أكله . فجعلت تستحيي من الرجل وهي ما تعرفه ، فقالت : يا عبد الله ، أرأيت الذي كان في هذا الغار أين هو؟ قال : أنا هو . قالت : يا عبد الله ، لا تسخر مني ، فقد كان أمره بخير . فقال : أنا صاحبك ، ولم تصدّقه .

فقال : إن لم تصدقيني فاذهبي إلى بيتك ذلك ، فإن الله قد أقامه لك ، وردّ عليك ولدك ، وقد كانوا ثلاثة عشر ، وزاد الله له ثلاثة عشر أخرى ، وأخرج له حيوانه كلها ، وزاده مثلها معها ، حتى صار مَلِك دمشق بعدُ .

قال الحسن : فردَّ الله عليه أهله وولده وأمواله من البقر والغنم والحيوان وكل شيء ملكه بعينه ، ثم أبقاه الله فيها حتى وهب له من نسولها أمثالها . وهو قوله : ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ ﴾ فوفّاهم آجالهم . قال بعضهم : مثل السبعين الذين كانوا مع موسى فقال لهم الله : موتوا ثم أحياهم ، ومثل ﴿ الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أحْيَاهُمْ ﴾ [ البقرة : 243 ] فاستوفوا بقية آجالهم .

وقال الحسن : إن الله أحيى أولاد أيوب بأعيانهم ، وأن الله أبقاه فيهم حتى أعطاه الله من نسولهم . وإن إبليس يأتيه يومئذ عياناً ، قال : يا أيوب ، اذبح لي سخلة من غنمك؛ قال : لا ، ولا كفاً من تراب .

ذكروا عن أبي عثمان النهدي قال : سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول : لا يبلغ العبد الكفر بالله والإشراك به حتى يصلي لغير الله ، أو يدعو غير الله ، أو يذبح لغير الله .

ذكروا عن الحسن أن أيوب لم يبلغه شيء يقوله الناس كان أشد عليه من قولهم : لو كان نبياً ما ابتلي بمثل ما ابتلي به . فدعا الله فقال : اللهم إنك تعلم أني لم أعمل حسنة في العلانية إلا عملت في السر مثلها ، فاكشف عني ما بي من ضر فأنت أرحم الراحمين . فاستجاب الله له فوقع ساجداً .

وأمطر عليه جرادٌ من ذهب فجعل يلتقطه ويجمعه ، فأوحى الله إليه : يا أيوب ، أما تشبع؟ قال : ومن يشبع من رحمتك [ يا رب ] .

وقال الحسن : إن الله يحتج على الناس يوم القيامة بثلاثة من الأنبياء فيجيء العبد فيقول : أعطيتني جمالاً في الدنيا فأعجبت به ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك ، فيقول الله له : الجمال الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الجمال الذي أعطى يوسف ، فيقول : بل الجمال الذي أعطى يوسف ، فيقول : إن يوسف كان يعمل بطاعتي ، فيحتجّ عليه بذلك . فيجيء العبد ويقول : يا ربّ ، ابتليتني في الدنيا ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك . فيقول الله له : البلاء الذي ابتُليت به في الدنيا أشد أم البلاء الذي ابتلى به أيوب ، فيقول : بل الذي ابتلى به أيوب . فيقول : كان أيوب يعمل بطاعتي ، فيحتج عليه بذلك . ويجيء العبد فيقول : أعطيتني ملكاً فأعجبت به ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك . فيقول : الملك الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الملك الذي أعطى سليمان ، فيقول : الملك الذي أعطى سليمان . فيقول : كان سليمان يعمل بطاعتي ، فيحتج عيه بذلك .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠١١

[سورة ص — آية 41]

﴿ واذْكر ﴾ عطف على قوله تعالى : ﴿ اذكر ﴾ أى لتصبر على أذى قومك ، كما صبر أيوب ﴿ عَبْدنا أَيُّوب ﴾ بن أموص بن روم بن اسحاق ، فهو اسرائيلى ، وذكر بعض أن أمه بنت لوط عليهما السلام ، وأن أباه آمن بإبراهيم عليه السلام ، وعلى هذا يكون قبل موسى عليه السلام ، وقال الطبرى : كان بعد شعيب ، فهو معاصر لموسى أو بعده ، وقيل بعد سليمان ﴿ إذْ نادَى ﴾ اذ بدل أمه بنت لوط عليهما السلام ، وأن أباه عطف البيان بعده ﴿ ربَّه أنِّى ﴾ بأنى ﴿ مَسَّنى الشيْطان ﴾ الجنس ، وقيل ، واحد اسمه مسوط ، وقيل هو ابليس ﴿ بنُصْبٍ ﴾ مشقة وتعب ، وهو المراد بالضر فى الآية الأخرى ، وقيل : العذاب وهو مفرد كنصب بفتح النون والصاد ، وقيل جمعه كوتن بفتحتين ووتن بضم فاسكان ، أو أصله ضم النون والصاد كوتن بضم الواو والتاء ، فسكن تخفيفا كما قرىء بضمها ، وهو رواية عن نافع ، وهو مناسب لثقل المرض على أيوب ، وبضم النون واسكان الصاد تخفيفا كتخفيف المرض عليه بالفرج ، وهو المشهور عن نافع .

﴿ وعَذابٍ ﴾ ألم وهو المراد بالضر فى الآية الأخرى ، وقيل : النصب والضر فى البدن ، والعذاب فى المال والأهل ، وانما قال : ﴿ إنى مسَّنى الشيطان بنُصْب وعذاب ﴾ وهذا المس عبارة عن فعل الشيطان ، أثنى الله على أيوب الى ملائكته فقال الشيطان إبليس : لو ابتليته لم يصبر ، فسلطه الله عليه ، فنفخ اليه من تحت موضع سجوده ، أو أمر ابليس من ينفخ فمرض المرض المشهور ، وتلف أهله وماله ، وذلك غير بعيد ، وأما ما يذكر فى القرآن العظيم أنه لا يقدر الا على الوسوسة ، فمعناه اذا لم يقدره الله على غيرها ، فاذا أقدره على غيرها كان ، وقيل : مس الشيطان وسوسته اليه أن يدعو بمرض يصبر له ، وعرف أن ذلك من الشيطان متألم بذلك ، وتألمه هو النصب والعذاب ، ولم يطاوعه لأنه لا يجوز أن يدعو على نفسه بالمرض ، ولو على وجه الصبر والثواب ، ولا مرض فى هذا الوجه .

وقيل : استغاثه رجل على ظالم فلم يغثه ، فأصابه مرض ولا يصح هذا ، وانما قال مسنى الشيطان ، لأن الشيطان وسوس له بترك الاغاثة فلعله وسوس له بتركها ولم يطاوعه ، فشكا الى الله بهذه الوسوسة المؤلمة له ، وهلك من قال : انه أصابه المرض لتركه غزو كافر مداهنة له ، اذ كانت مواشبه فى ناحيته ، وقيل : وسوس اليه كثرة ماله وولده فأعجبه ذلك ، ولا تظهر صحته ، وقيل : النصب والعذاب مشقة مدافعة وسواس الشيطان فى مرضه ، بأن يجزع ويسخط ويقنط من الشفاء .

وقيل هما ما أصابه من الكراهة اذ قالت له امرأته : ان طبيبا عرض على أن يداويك فتشفى فتقول انه شفاك ، وقيل : عن أن تذبح له ، وعلم أن ذلك من الشيطان ، وقيل ارتداد أحد ثلاثة كانوا يعدونه قائلا : لو كان نبيا لم يصبه الله بهذا المرض ، وقيل : قول نفر من بنى اسرائيل مروا عليه : انه لم يصبه هذا الا بذنب .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠١١