وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَاۤ أَیُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥۤ أَنِّی مَسَّنِیَ ٱلشَّیۡطَٰنُ بِنُصۡبࣲ وَعَذَابٍ٤١
الرسم الإملائيّ
وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ
الجزء ٢٣الربع ١٨٢ صفحة ٤٥٥
تفسيرها
}وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴿ بتعب ﴾ وَعَذَابٍ (41) ﴿ ألم؛ أضاف ذلك إلى الشيطـان لأنه (لعله) بسبب طـاعته له، كما قال: ﴾وَمَا أصابَكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم }{ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) ﴿وتذكيرا لهم لينتظروا الفرج بالصبر، والالتجاء إلى الله فيما يحيق بهم . ﴾ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴿ الضغث: الحزمة الصـغيرة من الحشيش ونـحوه؛ ﴾فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴿ فيما أصابه، وفيما تعبد به، ﴾نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44){.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠١١
قوله : ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ أي : ببلاء وشرّ . قال بعضهم : النصب : الضر في الجسد ، والعذاب : ذهاب ماله . وتفسير الحسن بنصب وعذاب في جسده؛ وقد فسّرنا قصته وقصة امرأته في سورة الأنبياء وكيف ذهب ماله .
فأوحى الله إليه أن ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ فركض برجله ركضة وهو لا يستطيع القيام ، فإِذا عين فاغتسل منها فأذهب الله ظاهر دائه ، ثم مشى على رجليه أربعين ذراعاً ، ثم قيل له : اركض برجلك ايضاً ، فركض ركضة أخرى فإِذا عين فشرب منها فأذهب الله عنه باطن دائه .
وقال الكلبي : وكساه الله ثياباً جديدة حساناً . وجلس على شاطئ نهر ، فجاءت امرأته بطعام قد أصابته ، فنظرت فإذا الغار ليس فيه أحد؛ فلم تشك أن السبع قد أكله . فجعلت تستحيي من الرجل وهي ما تعرفه ، فقالت : يا عبد الله ، أرأيت الذي كان في هذا الغار أين هو؟ قال : أنا هو . قالت : يا عبد الله ، لا تسخر مني ، فقد كان أمره بخير . فقال : أنا صاحبك ، ولم تصدّقه .
فقال : إن لم تصدقيني فاذهبي إلى بيتك ذلك ، فإن الله قد أقامه لك ، وردّ عليك ولدك ، وقد كانوا ثلاثة عشر ، وزاد الله له ثلاثة عشر أخرى ، وأخرج له حيوانه كلها ، وزاده مثلها معها ، حتى صار مَلِك دمشق بعدُ .
قال الحسن : فردَّ الله عليه أهله وولده وأمواله من البقر والغنم والحيوان وكل شيء ملكه بعينه ، ثم أبقاه الله فيها حتى وهب له من نسولها أمثالها . وهو قوله : ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ ﴾ فوفّاهم آجالهم . قال بعضهم : مثل السبعين الذين كانوا مع موسى فقال لهم الله : موتوا ثم أحياهم ، ومثل ﴿ الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أحْيَاهُمْ ﴾ [ البقرة : 243 ] فاستوفوا بقية آجالهم .
وقال الحسن : إن الله أحيى أولاد أيوب بأعيانهم ، وأن الله أبقاه فيهم حتى أعطاه الله من نسولهم . وإن إبليس يأتيه يومئذ عياناً ، قال : يا أيوب ، اذبح لي سخلة من غنمك؛ قال : لا ، ولا كفاً من تراب .
ذكروا عن أبي عثمان النهدي قال : سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول : لا يبلغ العبد الكفر بالله والإشراك به حتى يصلي لغير الله ، أو يدعو غير الله ، أو يذبح لغير الله .
ذكروا عن الحسن أن أيوب لم يبلغه شيء يقوله الناس كان أشد عليه من قولهم : لو كان نبياً ما ابتلي بمثل ما ابتلي به . فدعا الله فقال : اللهم إنك تعلم أني لم أعمل حسنة في العلانية إلا عملت في السر مثلها ، فاكشف عني ما بي من ضر فأنت أرحم الراحمين . فاستجاب الله له فوقع ساجداً .
وأمطر عليه جرادٌ من ذهب فجعل يلتقطه ويجمعه ، فأوحى الله إليه : يا أيوب ، أما تشبع؟ قال : ومن يشبع من رحمتك [ يا رب ] .
وقال الحسن : إن الله يحتج على الناس يوم القيامة بثلاثة من الأنبياء فيجيء العبد فيقول : أعطيتني جمالاً في الدنيا فأعجبت به ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك ، فيقول الله له : الجمال الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الجمال الذي أعطى يوسف ، فيقول : بل الجمال الذي أعطى يوسف ، فيقول : إن يوسف كان يعمل بطاعتي ، فيحتجّ عليه بذلك . فيجيء العبد ويقول : يا ربّ ، ابتليتني في الدنيا ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك . فيقول الله له : البلاء الذي ابتُليت به في الدنيا أشد أم البلاء الذي ابتلى به أيوب ، فيقول : بل الذي ابتلى به أيوب . فيقول : كان أيوب يعمل بطاعتي ، فيحتج عليه بذلك . ويجيء العبد فيقول : أعطيتني ملكاً فأعجبت به ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك . فيقول : الملك الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الملك الذي أعطى سليمان ، فيقول : الملك الذي أعطى سليمان . فيقول : كان سليمان يعمل بطاعتي ، فيحتج عيه بذلك .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠١١
﴿ واذْكر ﴾ عطف على قوله تعالى : ﴿ اذكر ﴾ أى لتصبر على أذى قومك ، كما صبر أيوب ﴿ عَبْدنا أَيُّوب ﴾ بن أموص بن روم بن اسحاق ، فهو اسرائيلى ، وذكر بعض أن أمه بنت لوط عليهما السلام ، وأن أباه آمن بإبراهيم عليه السلام ، وعلى هذا يكون قبل موسى عليه السلام ، وقال الطبرى : كان بعد شعيب ، فهو معاصر لموسى أو بعده ، وقيل بعد سليمان ﴿ إذْ نادَى ﴾ اذ بدل أمه بنت لوط عليهما السلام ، وأن أباه عطف البيان بعده ﴿ ربَّه أنِّى ﴾ بأنى ﴿ مَسَّنى الشيْطان ﴾ الجنس ، وقيل ، واحد اسمه مسوط ، وقيل هو ابليس ﴿ بنُصْبٍ ﴾ مشقة وتعب ، وهو المراد بالضر فى الآية الأخرى ، وقيل : العذاب وهو مفرد كنصب بفتح النون والصاد ، وقيل جمعه كوتن بفتحتين ووتن بضم فاسكان ، أو أصله ضم النون والصاد كوتن بضم الواو والتاء ، فسكن تخفيفا كما قرىء بضمها ، وهو رواية عن نافع ، وهو مناسب لثقل المرض على أيوب ، وبضم النون واسكان الصاد تخفيفا كتخفيف المرض عليه بالفرج ، وهو المشهور عن نافع .
﴿ وعَذابٍ ﴾ ألم وهو المراد بالضر فى الآية الأخرى ، وقيل : النصب والضر فى البدن ، والعذاب فى المال والأهل ، وانما قال : ﴿ إنى مسَّنى الشيطان بنُصْب وعذاب ﴾ وهذا المس عبارة عن فعل الشيطان ، أثنى الله على أيوب الى ملائكته فقال الشيطان إبليس : لو ابتليته لم يصبر ، فسلطه الله عليه ، فنفخ اليه من تحت موضع سجوده ، أو أمر ابليس من ينفخ فمرض المرض المشهور ، وتلف أهله وماله ، وذلك غير بعيد ، وأما ما يذكر فى القرآن العظيم أنه لا يقدر الا على الوسوسة ، فمعناه اذا لم يقدره الله على غيرها ، فاذا أقدره على غيرها كان ، وقيل : مس الشيطان وسوسته اليه أن يدعو بمرض يصبر له ، وعرف أن ذلك من الشيطان متألم بذلك ، وتألمه هو النصب والعذاب ، ولم يطاوعه لأنه لا يجوز أن يدعو على نفسه بالمرض ، ولو على وجه الصبر والثواب ، ولا مرض فى هذا الوجه .
وقيل : استغاثه رجل على ظالم فلم يغثه ، فأصابه مرض ولا يصح هذا ، وانما قال مسنى الشيطان ، لأن الشيطان وسوس له بترك الاغاثة فلعله وسوس له بتركها ولم يطاوعه ، فشكا الى الله بهذه الوسوسة المؤلمة له ، وهلك من قال : انه أصابه المرض لتركه غزو كافر مداهنة له ، اذ كانت مواشبه فى ناحيته ، وقيل : وسوس اليه كثرة ماله وولده فأعجبه ذلك ، ولا تظهر صحته ، وقيل : النصب والعذاب مشقة مدافعة وسواس الشيطان فى مرضه ، بأن يجزع ويسخط ويقنط من الشفاء .
وقيل هما ما أصابه من الكراهة اذ قالت له امرأته : ان طبيبا عرض على أن يداويك فتشفى فتقول انه شفاك ، وقيل : عن أن تذبح له ، وعلم أن ذلك من الشيطان ، وقيل ارتداد أحد ثلاثة كانوا يعدونه قائلا : لو كان نبيا لم يصبه الله بهذا المرض ، وقيل : قول نفر من بنى اسرائيل مروا عليه : انه لم يصبه هذا الا بذنب .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠١١