سورة ص · الآية ٤٢ من ٨٨

‹ السورة السابقة
ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدࣱ وَشَرَابࣱ٤٢
الرسم الإملائيّ

ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ

الجزء ٢٣الربع ١٨٢ صفحة ٤٥٥

تفسيرها

[سورة ص — آية 42]

}وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴿ بتعب ﴾ وَعَذَابٍ (41) ﴿ ألم؛ أضاف ذلك إلى الشيطـان لأنه (لعله) بسبب طـاعته له، كما قال: ﴾وَمَا أصابَكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم }{ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) ﴿وتذكيرا لهم لينتظروا الفرج بالصبر، والالتجاء إلى الله فيما يحيق بهم . ﴾ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴿ الضغث: الحزمة الصـغيرة من الحشيش ونـحوه؛ ﴾فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴿ فيما أصابه، وفيما تعبد به، ﴾نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44){.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠١٢

[سورة ص — آية 42]

قوله : ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ أي : ببلاء وشرّ . قال بعضهم : النصب : الضر في الجسد ، والعذاب : ذهاب ماله . وتفسير الحسن بنصب وعذاب في جسده؛ وقد فسّرنا قصته وقصة امرأته في سورة الأنبياء وكيف ذهب ماله .

فأوحى الله إليه أن ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ فركض برجله ركضة وهو لا يستطيع القيام ، فإِذا عين فاغتسل منها فأذهب الله ظاهر دائه ، ثم مشى على رجليه أربعين ذراعاً ، ثم قيل له : اركض برجلك ايضاً ، فركض ركضة أخرى فإِذا عين فشرب منها فأذهب الله عنه باطن دائه .

وقال الكلبي : وكساه الله ثياباً جديدة حساناً . وجلس على شاطئ نهر ، فجاءت امرأته بطعام قد أصابته ، فنظرت فإذا الغار ليس فيه أحد؛ فلم تشك أن السبع قد أكله . فجعلت تستحيي من الرجل وهي ما تعرفه ، فقالت : يا عبد الله ، أرأيت الذي كان في هذا الغار أين هو؟ قال : أنا هو . قالت : يا عبد الله ، لا تسخر مني ، فقد كان أمره بخير . فقال : أنا صاحبك ، ولم تصدّقه .

فقال : إن لم تصدقيني فاذهبي إلى بيتك ذلك ، فإن الله قد أقامه لك ، وردّ عليك ولدك ، وقد كانوا ثلاثة عشر ، وزاد الله له ثلاثة عشر أخرى ، وأخرج له حيوانه كلها ، وزاده مثلها معها ، حتى صار مَلِك دمشق بعدُ .

قال الحسن : فردَّ الله عليه أهله وولده وأمواله من البقر والغنم والحيوان وكل شيء ملكه بعينه ، ثم أبقاه الله فيها حتى وهب له من نسولها أمثالها . وهو قوله : ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ ﴾ فوفّاهم آجالهم . قال بعضهم : مثل السبعين الذين كانوا مع موسى فقال لهم الله : موتوا ثم أحياهم ، ومثل ﴿ الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أحْيَاهُمْ ﴾ [ البقرة : 243 ] فاستوفوا بقية آجالهم .

وقال الحسن : إن الله أحيى أولاد أيوب بأعيانهم ، وأن الله أبقاه فيهم حتى أعطاه الله من نسولهم . وإن إبليس يأتيه يومئذ عياناً ، قال : يا أيوب ، اذبح لي سخلة من غنمك؛ قال : لا ، ولا كفاً من تراب .

ذكروا عن أبي عثمان النهدي قال : سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول : لا يبلغ العبد الكفر بالله والإشراك به حتى يصلي لغير الله ، أو يدعو غير الله ، أو يذبح لغير الله .

ذكروا عن الحسن أن أيوب لم يبلغه شيء يقوله الناس كان أشد عليه من قولهم : لو كان نبياً ما ابتلي بمثل ما ابتلي به . فدعا الله فقال : اللهم إنك تعلم أني لم أعمل حسنة في العلانية إلا عملت في السر مثلها ، فاكشف عني ما بي من ضر فأنت أرحم الراحمين . فاستجاب الله له فوقع ساجداً .

وأمطر عليه جرادٌ من ذهب فجعل يلتقطه ويجمعه ، فأوحى الله إليه : يا أيوب ، أما تشبع؟ قال : ومن يشبع من رحمتك [ يا رب ] .

وقال الحسن : إن الله يحتج على الناس يوم القيامة بثلاثة من الأنبياء فيجيء العبد فيقول : أعطيتني جمالاً في الدنيا فأعجبت به ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك ، فيقول الله له : الجمال الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الجمال الذي أعطى يوسف ، فيقول : بل الجمال الذي أعطى يوسف ، فيقول : إن يوسف كان يعمل بطاعتي ، فيحتجّ عليه بذلك . فيجيء العبد ويقول : يا ربّ ، ابتليتني في الدنيا ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك . فيقول الله له : البلاء الذي ابتُليت به في الدنيا أشد أم البلاء الذي ابتلى به أيوب ، فيقول : بل الذي ابتلى به أيوب . فيقول : كان أيوب يعمل بطاعتي ، فيحتج عليه بذلك . ويجيء العبد فيقول : أعطيتني ملكاً فأعجبت به ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك . فيقول : الملك الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الملك الذي أعطى سليمان ، فيقول : الملك الذي أعطى سليمان . فيقول : كان سليمان يعمل بطاعتي ، فيحتج عيه بذلك .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠١٢

[سورة ص — آية 42]

﴿ اركض ﴾ أى الأرض فلا الجابية من الشام ﴿ برِجْلِك ﴾ مفعول لقول مستأنف أو معطوف على نادى ، أى قلنا له : اركض ، أو نادى ربه فقلنا له : اركض ، أو نادانا فقلنا اركض ، أو قال له : اركض ، الركض الضرب ، ضرب الأرض برجله اليمنى ، فخرج ماء بارد اغتسل به ، وشرب ، فلعله قدم الشرب ليخرج الداء منباطنه ، وقيل ضربها بيمناه فخرج ماء حار اغتسل به ، ومشى نحو أربعين خطوة فضربها بيسراه فنبعت عين باردة فشرب منه ، وفى الآية الركض بلا قيد تعدد ، واللفظ صالح له محتمل ، لكن ما الدليل على وقوع التعدد ، بل يدل على عدم التعدد قوله تعالى :

﴿ هذا مُغْتسلٌ باردٌ وشرابٌ ﴾ أى فركض فنبع الماء ، فقيل له ، أو فقلنا : ﴿ هذا مغتسل بارد وشراب ﴾ فاغتسل وشرب وشفاغة الله تبارك وتعالى ، وقيل الركض ليتناثر الداء من جسده .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠١٢