سورة النساء · الآية ١٢٨ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضࣰا فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَاۤ أَن یُصۡلِحَا بَیۡنَهُمَا صُلۡحࣰاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَیۡرࣱۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣰا١٢٨
الرسم الإملائيّ

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

الجزء ٥الربع ٣٩ صفحة ٩٩

تفسيرها

[سورة النساء — آية 128]

﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً ﴾ توقعت منه ذلك ، لما لاح لها من مخايله ، وما رأته تجافيا عنها ، وترفعا عن صحبتها كراهة لها ، ومنعا لحقوقها ، ﴿ أَوْ إِعْرَاضاً ﴾ بأن يُقل محادثتها ومؤانستها ، بسبب كبر سنٍّ أو دمامة ، أو شيء في خُلُقٍ أو خَلقٍ ، أو ملال أو طموح عين إلى أخرى ، أو غير ذلك ؛ ﴿ فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً ﴾ ، أن يتصالحا على [أن] تطيب له نفسا عن القسمة ، أو عن بعضها ، أو تهب له بعض المهر أو كله ، أو النفقة ، ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ من الفرق، أو من النشوز ، أو من الخصومة في كل شيء ، أو الصلح خير من الخيور ، كما أن الخصومة شرٌّ من الشرور . ومن آثار أصحابنا قال في هذه الآية : (( فمعنى أنه قيل : إن هذا في الرجل يكون عنده الزوجة ، فيتزوج عليها غيرها ، ويميل عنها إليها المحبة ، فوسَّع الله للرجل ذلك إذا كان عن رأي زوجته ورضاها أن يتزوج عليها إذا اصطلحا على ذلك ، على ما اصطلحا عليه من إيثار الآخرة عليها في معاشرة ، أو مؤنة إذا رضيت بذلك . وأخبر أن الصلح على ذلك إن اتفقا خير من المشاق والفراق ، فإن لم يتفقا ولم يصطلحا ، فليس إلاَّ الحكم من إمساك بمعروف ، أو تسريح بإحسان بين الزوجين )) . هكذا وجدته في زيادة جامع أبن جعفر ، وأظنه أنه عن أبي سعيد .

﴿ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ ﴾ أي : جعل الشحَّ حاضرا لها ، لا يغيب عنها أبدا ؛ ولا تنفك عنه ، يعني : مطبوعة عليه ، والمراد أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها ببيتها ، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها إذا رغب عنها ، فكلُّ واحد منهما يطلب ما فيه راحته ، ثم حث على مخالفة الطبع ومتابعة الشرع ، بقوله : ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ ﴾ بالعفو والمسامحة ، وترك الشح ، أو الإقامة على المعاشرة لنسائكم ، وإن كرهتموهن إذا كان في الإمساك يرجى صلاح أكثر من الفرقة ، ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ النشوز أو الأعراض ، وما يؤدي إلى الأذى والخصومة ، ﴿ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من الإحسان والصبر والتقوى ، ﴿ خَبِيراً ﴾ فيثيبكم عليه . قيل : كان عمران الخارجي من أدمٍّ بني آدم ، وامرأته من أجملهم ، فنظرت إليه ، وقالت : (( الحمد لله على أنني وإياك من أهل الجنة )) ، قال : (( كيف )) ؟ قالت : (( لأنك رُزقت مثلي فشكرت ، ورُزقتُ مثلك فصبرت ، والجنة موعده للشاكرين والصابرين )) .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٢١

[سورة النساء — آية 128]

قوله : ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا ﴾ أي علمت من زوجها ﴿ نُشُوزاً ﴾ يعني بغضاً . ﴿ أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ .

قال بعضهم : هي المراة تكون عند الرجل فتكبر فلا تلد ، فيريد أن يتزوج عليها أشب منها ، ويوثرها على الكبيرة ، فيقول لها : إن رضيت أن أوثرها عليك وإِلا طلقتك؛ أو يعطيها من ماله على أن ترضى أن يوثر عليها الشابة؛ وهو قوله : فلا جناح عليهما أي لا حرج على الزوج وامرأته أن يصلحا بينهما صلحاً ، والصلح خير من غيره .

قوله : ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ ﴾ . قال بعضهم : يعني الحرص على المال فترضى بما يعطيها بنصيبها من زوجها . وقال الكلبي : شحّت بنصيبها من زوجها للأخرى أي : فلم ترض . ﴿ وَإِن تُحْسِنُوا ﴾ البعل ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ الميل والجور فيهن ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٢١

[سورة النساء — آية 128]

﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَانَتْ ﴾ مبتدأ وخبر عند سيبويه ، والجملة الاسمية فى محل جزم ، ولو كان الخبر اسماً ، نحو إن زيد قائم ، أو إذا زيد قائم لم يجز عنده ، وأجازه الأخفش أيضا والكوفيون ، وزادوا جواز كون امرأة فاعلا مقدما ، والجمهور عَلَى منع ذلك كله وجعل امرأة فاعلا لمحذوف دل عليه خافت ، أى وإن خافت ﴿ مِن بَعْلِهَا ﴾ زوجها ﴿ نُشُوزاً ﴾ ترفعا عن صحبتها له ، لدمامتها ، أو كبر سنها ، أو تعلق قلبه بغيرها ، أو غير ذلك فيكون يمنع حقوقها أو يؤذيها بقول أو فعل ﴿ أَوْ إعْرَاضاً ﴾ بإقلال مجالستها ومحادثتها ، فهو لا يفعل لها خيرا ولا شرا إو إعراضاً لبعض المنافع ﴿ فَلاَجُنَاحَ عَلَيْهِمَآ ﴾ أما نفى الجناح عنه فلأن نقصه من حقها ، أو إعطاءها إياه شيئا فى الصلح كالرشوة ، ومحل نفى الجناح عنه ما إذا كان انقباضه عنها كالضرورى ، لا يجد بدا عنه من نفسه ، أو خاف من نفسه أن ينقص حقها بعد ، وأما نفيه عنها مع أنها لا تأخذ فلبيان أن هذا الصلح ليس محرما عَلَى المعطى والآخذ ﴿ أَن يُصْلِحَا ﴾ أبدلت التاء صادا وأدغمت أى فى أن يتصالحا ، وقيل أبدلت التاء طاء والطاء صادا وأدغمت ﴿ بَيْنَهُمَا ﴾ بدون حضور مصلح أو بحضوره ﴿ صُلْحاً ﴾ أى تصالحا ، بضم اللام ، وذلك بأن تترك له ، لئلا يطلقها ، بعض الصداق أو كله ، أو النفقة أو الكسوة أو بعضها ، أو ليالِها ، أو بعضها ، أو تهب له شيئا كما وهبت أم المؤمنين سودة بنت زمعة لياليها لعائشة لحب النبى صلى الله عليه وسلم عائشة أكثر من غيرها ، لئلا يطلقها صلى الله عليه وسلم ، وقد أراد طلاقها لكبر سنها ، فلم يطلقها لإبرائها إياه من حقها ، وهبتها لعائشة ، وقد قالت : أريد أن أعد من نسائك وولا حاجة لى فى أمر النساء ، وكما روى أنه كانت لأبى السائب امرأة ولدت له أولاداً لم يقنع بجمالها فهمَّ بطلاقها ، فقالت : لا تطلقنى ، دعنى حتى أَشتغل بمصالح أولادى ، واقسم لى فى كل شهر ليالى قليلة ، فقال : إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لى ، فنزلت الآية فى ذلك كله ، وكما روى عن عائشة أَنها نزلت فى امرأة هى ابنة محمد بن مسلمة ، كانت عند رجل ، هو رافع ابن خديج ، أراد أن يستبدل بها امرأة لكبر أو غيره ، فقالت : أمسكنى وتزوج بغيرى ، وأنت فى حل من النفقة والقسم ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ أفضل من الفرقة وسوء العشرة والخصام ، عَلَى فرض أن فيهن حسنا ، بضم فإِسكان أو الصلح حسن بالخروج عن التفضيل ، أو الصلح منفعة ، كما أن الخصام مضرة ، وأل للعهد أو للجنس ، وهذا إلى قوله غفوراً رحيما معترض بين قوله وإن امرأة الخ وقوله وإن يتقرقا الخ المعطوف عليه ، ولذلك تخالفت الجمل ، فعلية ، واسمية ، وشرطية ، وغيرها فيما بينهما ، وهذه الجملة لتمهيد الصلح ، وقوله ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ ﴾ لتمهيد العذر يجعل الله الأنفس مطلقا حاضرة للشح تتبعه ، وتميل إليه لا تغيب عنه ، فالنائب يجعل الله الأنفس مطلقا حاضرة للشح حاضراً للأنفس لا يتركها ، فالنائب المفعول الثانى فالمراد لا تترك المهر والمؤونة وقسم ، والرجل لا يسمح لها بإداء ذلك لها وقضاء عمره معها ، بإحسان العشرة مع كراهيته لها لدمامتها أو كبر سنها أو غير ذلك ، والشح البخل مع حرص ، فهو أخص من الحرص ، وقيل هو أقبح البخل ﴿ وَإن تُحْسِنُوا ﴾ أيها الأزواج فى عشرتهن بإمساك بمعروف ، والصبر مع كراهتكم لهن ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ ظلمهن بالنشوز ونقص حقوقهن ، أو تركها ، أو أن تحسنوا أيها المصلحون بينهما وتتقوا الميل إلى أحدهما ﴿ فَإِنَّ اللهَ ﴾ أى يثيبكم الله ، لأن الله ﴿ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من الإحسان والصلح والإصلاح ﴿ خَبِيراً ﴾ فليس بترك الجزاء ، وفى خطاب الأزواج بعد الغيبة والتعبير عن مراعاة حقوقهن بالإحسان ، ولفظ التقوى المنبىء عن كون النشوز مما يتقى ، وذكر الوعد لطف الاستمالة والترغيب فى حسن المعاملة ، روى أن امرأة من أجمل النساء تطيع زوجها ، وهو من أذم الرجال ، وتحمد الله على ذلك ، فلامها رجل ، فقالت : هو من أهل الجنة لأنه شاكرِ ، وأنا من أهلها لأنى صابرة ، أو قالت : الحمدلله ، فقال لها زوجها : علام؟ فقالت : لأنى رضيت مثلك ، فصبرت ، ورزقت مثلك فشكرت ، وقد وعد الله الجنة للصابرين والشاكرين .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٢١