تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النساء

الجزء النساء · صفحة ٠
[سورة النساء — آية 128]

﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَانَتْ ﴾ مبتدأ وخبر عند سيبويه ، والجملة الاسمية فى محل جزم ، ولو كان الخبر اسماً ، نحو إن زيد قائم ، أو إذا زيد قائم لم يجز عنده ، وأجازه الأخفش أيضا والكوفيون ، وزادوا جواز كون امرأة فاعلا مقدما ، والجمهور عَلَى منع ذلك كله وجعل امرأة فاعلا لمحذوف دل عليه خافت ، أى وإن خافت ﴿ مِن بَعْلِهَا ﴾ زوجها ﴿ نُشُوزاً ﴾ ترفعا عن صحبتها له ، لدمامتها ، أو كبر سنها ، أو تعلق قلبه بغيرها ، أو غير ذلك فيكون يمنع حقوقها أو يؤذيها بقول أو فعل ﴿ أَوْ إعْرَاضاً ﴾ بإقلال مجالستها ومحادثتها ، فهو لا يفعل لها خيرا ولا شرا إو إعراضاً لبعض المنافع ﴿ فَلاَجُنَاحَ عَلَيْهِمَآ ﴾ أما نفى الجناح عنه فلأن نقصه من حقها ، أو إعطاءها إياه شيئا فى الصلح كالرشوة ، ومحل نفى الجناح عنه ما إذا كان انقباضه عنها كالضرورى ، لا يجد بدا عنه من نفسه ، أو خاف من نفسه أن ينقص حقها بعد ، وأما نفيه عنها مع أنها لا تأخذ فلبيان أن هذا الصلح ليس محرما عَلَى المعطى والآخذ ﴿ أَن يُصْلِحَا ﴾ أبدلت التاء صادا وأدغمت أى فى أن يتصالحا ، وقيل أبدلت التاء طاء والطاء صادا وأدغمت ﴿ بَيْنَهُمَا ﴾ بدون حضور مصلح أو بحضوره ﴿ صُلْحاً ﴾ أى تصالحا ، بضم اللام ، وذلك بأن تترك له ، لئلا يطلقها ، بعض الصداق أو كله ، أو النفقة أو الكسوة أو بعضها ، أو ليالِها ، أو بعضها ، أو تهب له شيئا كما وهبت أم المؤمنين سودة بنت زمعة لياليها لعائشة لحب النبى صلى الله عليه وسلم عائشة أكثر من غيرها ، لئلا يطلقها صلى الله عليه وسلم ، وقد أراد طلاقها لكبر سنها ، فلم يطلقها لإبرائها إياه من حقها ، وهبتها لعائشة ، وقد قالت : أريد أن أعد من نسائك وولا حاجة لى فى أمر النساء ، وكما روى أنه كانت لأبى السائب امرأة ولدت له أولاداً لم يقنع بجمالها فهمَّ بطلاقها ، فقالت : لا تطلقنى ، دعنى حتى أَشتغل بمصالح أولادى ، واقسم لى فى كل شهر ليالى قليلة ، فقال : إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لى ، فنزلت الآية فى ذلك كله ، وكما روى عن عائشة أَنها نزلت فى امرأة هى ابنة محمد بن مسلمة ، كانت عند رجل ، هو رافع ابن خديج ، أراد أن يستبدل بها امرأة لكبر أو غيره ، فقالت : أمسكنى وتزوج بغيرى ، وأنت فى حل من النفقة والقسم ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ أفضل من الفرقة وسوء العشرة والخصام ، عَلَى فرض أن فيهن حسنا ، بضم فإِسكان أو الصلح حسن بالخروج عن التفضيل ، أو الصلح منفعة ، كما أن الخصام مضرة ، وأل للعهد أو للجنس ، وهذا إلى قوله غفوراً رحيما معترض بين قوله وإن امرأة الخ وقوله وإن يتقرقا الخ المعطوف عليه ، ولذلك تخالفت الجمل ، فعلية ، واسمية ، وشرطية ، وغيرها فيما بينهما ، وهذه الجملة لتمهيد الصلح ، وقوله ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ ﴾ لتمهيد العذر يجعل الله الأنفس مطلقا حاضرة للشح تتبعه ، وتميل إليه لا تغيب عنه ، فالنائب يجعل الله الأنفس مطلقا حاضرة للشح حاضراً للأنفس لا يتركها ، فالنائب المفعول الثانى فالمراد لا تترك المهر والمؤونة وقسم ، والرجل لا يسمح لها بإداء ذلك لها وقضاء عمره معها ، بإحسان العشرة مع كراهيته لها لدمامتها أو كبر سنها أو غير ذلك ، والشح البخل مع حرص ، فهو أخص من الحرص ، وقيل هو أقبح البخل ﴿ وَإن تُحْسِنُوا ﴾ أيها الأزواج فى عشرتهن بإمساك بمعروف ، والصبر مع كراهتكم لهن ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ ظلمهن بالنشوز ونقص حقوقهن ، أو تركها ، أو أن تحسنوا أيها المصلحون بينهما وتتقوا الميل إلى أحدهما ﴿ فَإِنَّ اللهَ ﴾ أى يثيبكم الله ، لأن الله ﴿ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من الإحسان والصلح والإصلاح ﴿ خَبِيراً ﴾ فليس بترك الجزاء ، وفى خطاب الأزواج بعد الغيبة والتعبير عن مراعاة حقوقهن بالإحسان ، ولفظ التقوى المنبىء عن كون النشوز مما يتقى ، وذكر الوعد لطف الاستمالة والترغيب فى حسن المعاملة ، روى أن امرأة من أجمل النساء تطيع زوجها ، وهو من أذم الرجال ، وتحمد الله على ذلك ، فلامها رجل ، فقالت : هو من أهل الجنة لأنه شاكرِ ، وأنا من أهلها لأنى صابرة ، أو قالت : الحمدلله ، فقال لها زوجها : علام؟ فقالت : لأنى رضيت مثلك ، فصبرت ، ورزقت مثلك فشكرت ، وقد وعد الله الجنة للصابرين والشاكرين .

٦٢١ / ٦٬٢٣٦