یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِینَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَاۤءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَیۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِینَۚ إِن یَكُنۡ غَنِیًّا أَوۡ فَقِیرࣰا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلۡهَوَىٰۤ أَن تَعۡدِلُوا۟ۚ وَإِن تَلۡوُۥۤا۟ أَوۡ تُعۡرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣰا١٣٥
الرسم الإملائيّ
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
الجزء ٥الربع ٤٠ صفحة ١٠٠
تفسيرها
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ مجتهدين في إقامة العدل ، حتى لا يقع منكم ميل إلى الهوى ، ﴿ شُهَدَاء لِلّهِ ﴾ تشهدون للمحقين بالحق ، وعلى الكافرين بالكفر ، أو تقيمون شهادتكم لوجه الله ، ﴿ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ ومن القيام فأولى بالمرء نفسه ، وعلى كلِّ أحد أن يقوم لها وعليها ، بما يرجوا لها به الفكاك ، وبما يرجوا أن يسلم به من الهلاك ، ثم عليه القيام بعد ذلك على أهله وأقاربه الأقرب فالأقرب ، على ما يبلغ إليه طوله من القيام لهم بالقسط وعليهم ، ثم بعد ذلك حيث بلغت قدرته ، ليس معه لذلك غاية ، ولا له معه نهاية ، حتى يموت على ذلك إن شاء الله .
ومن القيام بالقسط لله أن يشهد له بالواحدنية ، وأنه ربٌّ معبود ، وعلى نفسه أنه عبدٌ له ، ويندرج في هذه الشهادة الشهادة بالحقوق والتحقيق ، ﴿ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ﴾ أي : ولو كانت الشهادة على أقاربكم ، ﴿ إِن يَكُنْ ﴾ المشهود عليه ﴿ غَنِيّاً ﴾ فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلبا لرضاه ، ﴿ أَوْ فَقَيراً ﴾ فلا يمنعها ترحما عليه ، ﴿ فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا ﴾ بالغني والفقير ، أي : بالنظر لهما بالرحمة . ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى ﴾ إرادة أن تعدلوا عن الحق ، من العدول ، وكراهة ﴿ أَن تَعْدِلُواْ ﴾ بين الناس ، من العدل أن تلووا ( بواوين ) ﴿ وَإِن تَلْوُواْ ﴾ ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل ، ﴿ أَوْ تُعْرِضُواْ ﴾ وقيل : بواو واحدة وضم اللام من الولاية ، ﴿ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ إن أطعتموه أو عصيتموه ؛ وبذلك يتناول الترغيب والتخويف .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٢٨
قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ أي بالعدل ﴿ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَالله أَوْلَى بِهِمَا ﴾ في الشهادة إذا كانت عنده . يقول : اشهدوا على أنفسكم ، أي على أبنائكم وآبائكم وأمهاتكم وقرابتكم ، أغنياء كانوا أو فقراء . وهو قوله : ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَالله أَوْلَى بِهِمَا ﴾ أي أولى بغناه وفقره .
وقال بعضهم : لا يمنعكم غنى غني ، ولا فقر فقير أن تشهدوا عليه بما تعلمون ، قال : الله أعلم بغناهم وفقرهم .
قوله : ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى ﴾ فتدعوا الشهادة ﴿ أَن تَعْدِلُوا ﴾ فتقيموا الشهادة ﴿ وَإِن تَلْوُوا ﴾ بِأَلسنتكم ، أي تلجلجوا فتحرّفوا الشهادة ﴿ أَوْ تُعْرِضُوا ﴾ فلا تشهدوا بها . وقال مجاهد : إن تلووا ، أي تبدّلوا الشهادة ، أو تعرضوا ، أي تكتموها ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٢٨
﴿ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ ﴾ مبالغين فى القيام كثرة وكيفا مستمرين على ذلك فلا شهادة للعبد لأنه لا يكون قواماً إذ لا يخرج ولا يعمل إلا بسيده ﴿ بِالْقِسْطِ ﴾ العدل ﴿ شُهَدَآءَ لِلّهِ ﴾ لوجه الله بالحق ، لا لغرض دنيوى ، وسواء القريب والبعيد ، نفعاً أو ضراً ، عموماً ولو خص الضر فى قوله : ﴿ وَلَوْ ﴾ كانت الشهادة ﴿ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ مضرة عليها ، أو ولو كنتم شهداء على أنفسكم ، والمراد بالشهادة بيان الحق ، فتشمل الإقرار على النفس ، وإن أبقى الكلام على ظاهره كان جمعاً بين الحقيقة والمجاز ، أو يحمل على عموم المجاز ، وذلك أن شهادة المرء على نفسه غير معهودة ، إلا أنه قد يقال الإقرار فى أصل اللغة شهادة ، وقد جاء : تشهد عليهم ألسنتهم ، أو لو شهدتم على أنفسكم ، وأو ولو كانت الشهادة وبالا على أنفسكم ، ولا يعلق بقوامين لأن لو قاطعه عن ذلك ، لأنها تطلب فعلا ، ولا بد وهى وصلية ﴿ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ﴾ كالابن والأخ والعم ﴿ إن يَكُنْ ﴾ أى المشهود عليه ﴿ غَنِيَّاً أَوْ فَقِيراً ﴾ فلا تمتنعوا من إقامة الشهادة ، أو لا تجوروا ميلا وترحموا ﴿ فَاللهُ ﴾ لأن الله ﴿ أَوْلَى بِهِمَا ﴾ منكم ، وأعلم بالمحق والمبطل ، اختصم غنى وفقير إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يظن أن الفير لا يظلم الغنى فأمره الله فى هذه الآية بالقيام بالقسط مع الغنى والفقير ، وكأنه قيل الله أولى بالفقير والغنى ، وانظر لهما ، والمراد الجنس بدليل قراءة أبىّ : فالله أولى بهم ، ولا تعرض فى الآية للشهادة لهم بل عليهم ، وحملها بعض على الوجهين معاً ، وللآية اتصال بقصة طعمة بن أبيرق المتقدمة إذ شهد له قومه بالباطل لقرابته ، وثنى الضمير مع أن العطف بأو لأنه إنما يجدر مثل ذلك ، حيث تجب المطابقة ، كالخبر مع المبتدأ ، أو الحال مع صاحبه ، والنعت مع منعوته ، لا فى غير ذلك كما هنا ، مع أنه يجوز عود الضمير هنا إلى الغنى والفقير ، المدلول عليهما بقوله غنيّاً أو فقيراً ، لا إلى المذكورين فى الآية ، فإنه أولى بجنس الغنى والفقير ، ومع أنه يجوز عوده إلى المشهود له والمشهود عليه ، على أى وصف كان أو المدعى والمدعى عليه كذلك ، وكل إما فقير أو غنى ، أو كلاهما فقير أو كلاهما غنى ، وعطف الأول بأو لأنه مقابل الأنفس ، بخلاف الثانى ، وذلك كما كان بعد غنيّاً للمقابلة ، أى غنيّاً يرجى نفعه أو يخاف ضه ، أو فقيراً يترحم عليه ، ووجه الإفراد أن أو لأحد الشيئين ، وقيل أو بمعنى الواو ، وقيل للتقصيل ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا ﴾ لأن تعدلوا ، أى لأن تميلوا عن الحق ، أو كراهة أن تعدلوا ، أى كراهة أن تعملوا بالحق ، أو نهيتكم لتكونوا عادلين ، من العدل ضد الجور ﴿ وَإن تَلْوُوا ﴾ ألسنتكم عن تحمل شهادة الحق ، أو حكومة العدل ، أى الحق أو تلووها بالتحريف ، وعن ابن عباس اللى المطل فى أدائها ﴿ أَوْ تُعْرِضُوا ﴾ عن أدائها ، ولا يصح أن يراد باللىّ والإعراض معنى واحد ، كقوله تعالى : فسجد الملائكة كلهم أجمعون ، ولو أجازه الفارسى لأن العطف بأو لا بالواو ، وقيل إن الخطاب للحكام ، وأن اللىّ الحكم بالباطل ، وأن الإعراض عدم الالتفات إلى أحد الخصمين ، وهو رواية عن ابن عباس رضى الله عنهما ﴿ فَإِنّ اللهَ ﴾ جازاكم الله على اللىّ أو الإعراض ، لأن الله ﴿ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من اللىّ والإعراض وغيرهما ﴿ خَبِيراً ﴾ وكان السلف يجيزون شهادة الوالد للولد ، والولد للوالد ، حتى ظهر من الناس ما حمل الولاة على اتهام الناس ، فتركت شهادة من يتهم ، وكذلك كان ابن عباس يجيز شهادة كل للآخر .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٢٨