إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَٰلَةࣲ ثُمَّ یَتُوبُونَ مِن قَرِیبࣲ فَأُو۟لَٰۤئِكَ یَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِیمًا حَكِیمࣰا١٧
الرسم الإملائيّ
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
الجزء ٤الربع ٣٢ صفحة ٨٠
تفسيرها
﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ ﴾ هي من " تاب الله عليه " إذا قيل توبته ، أي : إنما قبولها ﴿ عَلَى اللّهِ ﴾ وليس المراد به للوجوب ، إذ لا يجب على الله شيء ، ولكنه تأكيد للوعد ، يعني أن لا محالة كالواجب الذي لا يترك . ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ ﴾ الذنب ، لأنه تسوء عاقبة فاعله ومرتكبه ، ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ أي : يعملون السوء جاهلين سفهاء ، لأن ارتكاب القبيح يدعوا إلى السفه ، وقيل : من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته ، وقيل : جهالته اختياره اللذة الفانية على اللذة الباقية ، وقيل : لم يجهل أنه ذنب ولكن جهل كنه عقوبته . ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ وهو قبل معاينة أحوال الموت ؛ ﴿ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ وعد وإعلامهم بأن الغفران كائن لا محالة ، مهما كانت التوبة في ذلك الوقت لأنها تكون باختيار العبد لا اضطرار ، حتى يعاين أحوال الهلاك ، فإذا تاب في ذلك الحين فإنها تكون اضطراراً . ﴿ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً ﴾ بعزمهم على التوبة ، ﴿ حَكِيماً ﴾ حَكَمَ بأن يكون الندم تـوبــة .
افتحه في القارئ · صفحة ٥١٠
قوله : ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الله ﴾ أي إنما التجاوز من الله ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ ذكر بعض العلماء قال : كل ذنب أتاه عبد فهو بجهالة . قال : ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ أي : ما دون الموت؛ يقال : ما لم يغرغر بنفسه . ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ .
قال الحسن : نزلت هذه الآية في المؤمنين : ثم ذكر الكفار فقال : ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ يعني الشرك بالله ﴿ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ ﴾ عند معاينة ملك الموت قبل أن تخرج نفسه من الدنيا ﴿ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ﴾ أي رجعت الآن ﴿ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .
قال الحسن : لا يقبل إيمان الكافر عند الموت ولا توبته ولا توبة صاحب الكبائر .
ذكروا عن الحسن أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا إن الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، كفارة لما بينهما لمن اجتنب الكبائر » .
ذكروا عن الحسن قال : إن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال : وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده ، فقال الله : وعزتي لا أمنعه التوبة ما لم يغرغر بنفسه .
ذكروا عن ابن عباس أنه قال : كل ذنب أقام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة . قال : وكل ذنب تاب منه العبد قبل أن يموت فليس بكبيرة .
افتحه في القارئ · صفحة ٥١٠
﴿ إنّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ ﴾ أى من الله متعلق بالتوبة والخبر هو قوله ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ أى ما هى إلا للذين ، وإن جعلنا الخبر على الله صح الحصر أيضاً ، لأن الحصر بإنما يكون لآخر الكلام بعدها ، أى ما هى إلا من الله فيقدر هى للذين ، وإن جعلناهما خبرين صح الحصر فيهما معاً ، كأنه قيل ما التوبة إلا على الله وما هى إلا للذين ، نحو ما يزيد إلا جواد شجاع ، أى الجواد والشجاعة دائمان فيه ﴿ يَعْمَلُونَ لسُّوءَ بِجَاهِلِةٍ ﴾ سفه ، قال قتادة أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصى الله به فهو جهالة ولو مع علم ، وأن كل من عصى الله فهو جاهل ، ولو عالما قال الله عز وجل : أصب إليهن ، هل علمتم ما فعلتم ، إنى أعظكم ، قال أعوذ بالله الآيات ، أو ذلك تشبيه بمن لم يعلم إذ خالف ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ فى بعض زمان قريب ، وهو ما قبل المعاينة ولو طال ، قل متاع الدنيا قليل ، قال صلى الله عليه وسلم : « إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر » ، وقال الله سبحانه : حتى إذا حضر أحدهم الموت ، وزعم أهل التصوف والمعاملة أنه هو ما قبل أن تتعود النفس السوء ويكون لها كالطبيعة فيتعذر الرجوع ، وليس مرادهم منع القبول بل البعد ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ وفاء بوعده فى قوله : « إنما التوبة عَلَى الله » فإنه وعد وقضاء وهذا إنجاز ، فلا تكرير ، أو معنى على هنالك الوقوع ، لا محالة تشبيه بالوجوب ، فإنه لا يخلف الوعد ولا الوعيد ولا واجب عليه ﴿ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ فمن شأنه أنه عالم بإخلاصهم ، ومن شأن الحكيم أنه لا يعاقب التائب ألبتة ، أو إلا يسير يكون له تمحيصاً أو استصلاحاً .
افتحه في القارئ · صفحة ٥١٠