یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَاۤءَ كَرۡهࣰاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُوا۟ بِبَعۡضِ مَاۤ ءَاتَیۡتُمُوهُنَّ إِلَّاۤ أَن یَأۡتِینَ بِفَٰحِشَةࣲ مُّبَیِّنَةࣲۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡءࣰا وَیَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِیهِ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰا١٩
الرسم الإملائيّ
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا
الجزء ٤الربع ٣٢ صفحة ٨٠
تفسيرها
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ وهو أن يعاضلها بسوء العشرة لتفتدي منه . قيل كان الرجل إذا تزوِّج امرأة ولم تكن من حاجته ، حبسها مع سوء العشرة ليرثها ن أو لتفتدي منه بمالها وتختلع ، كما يفعله بعض الجهلة في بعض أزواجهم ليرثها . وقيل : كان وراث الرجل يرث زوجته أيضاً وإن كرهت ، فأنزل الله : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً ) . ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ إلاَّ أن تكون سوء العشرة من جهتهن فقد عُذر في قبول الفدية . ﴿ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ وهو الإنصاف في المبيت والنفقة والإجمال في القول ورفع الأذى ، ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ من قبل اختلاف القلوب والأحوال ؛ ﴿ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ ﴾ ذلك الشيء أو في الكره ، ﴿ خَيْراً كَثِيراً ﴾ قيل المعنى : فإن كرهتموهن فلا تفارقهن لكراهة الأنفس وحدها ، وليكن نظركم إلى ما هو أصلح للدِّين وأدنى إلى الخير ، والمعنى : فإن كرهتموهن فاصبروا عليهنَّ وإن كان أسلم للدِّين وعسى فيه الخير لقوله : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) وليكن السعي للنظر في أسباب الصلاح .
افتحه في القارئ · صفحة ٥١٢
قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً ﴾ .
كان الرجل في الجاهلية يموت عن امرأته فيُلقِي وليُّه عليها ثوباً ، فإن أَحبَّ أن يتزوّجها تزوّجها ، وإلا تركها حتى تموت فيرثها ، إلا أن تذهب إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوباً ، فتكون أَحقَّ بنفسها .
وقال بعضهم : إذا ألقى عليها ثوباً كان ذلك تزويجه إياها ، فإن كان راغباً فيها عجّل الدخول بها ، وإن لم تكن له فيها رغبة حبسها ، فلم يدخل بها حتى تفتدي بمالها أو ببعضه .
قال الحسن : كان وليّه يقول : ورثت امرأته كما ورثت ماله ، فإن شاء تزوّجها بالصداق الأول ، وإن شاء زوّجها وأخذ صداقها .
وقال بعضهم : كان هذا في حي من الأنصار؛ إذا مات لهم ميت قصد ولي الميت ولي المرأة فنكحها أو أنكحها من شاء ، ما لم يكن أباها أو عمَّها ، أو يعضلوهن حتى يفتدين بأموالهن ، فنهاهم الله عن ذلك .
قوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ أي لا تحبسوهن ﴿ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ أي : ببعض ما أعطيتموهن . قال الحسن : يعني الصداق . ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ . قال بعضهم : نُهِيَ الرجل إذا لم يكن له بامرأته حاجة أن يضارّها فيحبسها لتفتدي منه ، إلا أن يأتين بفاحشة مبيّنة . قال بعضهم : إلا أن تكون هي الناشزةَ فتختلع منه . والفاحشة المبيّنة : عصيانها ونشوزها .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « المختلعات المنتزعات هن المنافقات » ذكر الحسن قال : إنما كان عامة من يصيب هذه الحدود وأشباه هذا من الفعل يومئذ المنافقين . وذكر الحسن : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، أي : الزنا ، إلا أن تقوم عليها البينة . وهي منسوخة .
قوله : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ أي : اصحبوهن بالمعروف ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ . أي : يكره الرجل المرأة ، فيحبسها ، ويمسكها وهو لها كاره ، فعسى الله أن يرزقه منها ولداً ، ثم يعطفه الله عليها ، أو يطلقها فيتزوجها غيره ، فيجعل الله للذي تزوّجها فيها خيراً كثيراً .
افتحه في القارئ · صفحة ٥١٢
﴿ يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِسّآءَ ﴾ أجسامهن كما يورث المال ، وقيل ما لهن ، كانوا يأخذونه كأنه ميراث لهم ﴿ كَرْهاً ﴾ كارهات ، أو ذوات كره ، والأصل أن لا يفسر بمكرهن أو مكرهات ، لأنه ثلاثى ، كان الرجل إذا مات عصبته ألى على زوجه أو على خبائها ثوبه ، وقال أنا أحق بها من أوليائها ، ومن نفسها ، ورثتها منه كما ورثت صله ، وذلك كابن الميت من غيرها ، وكأهيه ، فلا تتزوج غيره ، ويكون أمر نكاحها إليه ، إن شاء كانت له زوجا ، بلا ولى ولا عقد ولا صدق ولا إشهاد ، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ، وإن شاء عطلها عن التزوج وأساء عشرتها لعدم جمالها حتى تفتدى إليه بما وثت من زوجها ، أو بموت ، فيرثها ، وذلك قبل نزول آية الإرث ، وقيل الآية فى أنهم كانوا يرثون أنهن أزواج لهم بلا رضى منهن ، وإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يلقى عليها ولى زوجها ثوبه فهى أحق بنفسها ، وكانوا على ذلك فى المدينة على عهد الجاهلية ، وأول الإسلام ، حتى نزل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ، وذكر عكرمة أن أبا قيس ابن الأسلت مات عن كبيشة ابنة معز بن عاصم من الأوس ، فحبسها ابنه من غيرها فقالت يا رسول الله : لا أنا ورثت زوجى ، ولا أنا تركت فأنكح ، فنزلت الآية ﴿ وَلاَ تَعْضُلُهُنَّ ﴾ أيها الناصبون ، لا تعطلوهن عن التزوج ، وأصل العضل التضييق ، ولا ناهية ، والعطف على لا يحل ، ومعنى لا يحل النهى ، وسيبويه أجاز عطف الإنشاء على الخبر ولو لم يكن الخبر فى معنى الإنشاء ، أو لا نافية والعطف على ترثوا ، كما قرأن ابن مسعود ، ولا أن تعضلوهن ، وكان القريشى إذا توافقه زوجه طلقها وأشهد أن لا تتزوج إلا برضاه ، فإن أعطته ما يرضيه تركها تتزوج ، والخطاب للورثة المتعاطفين ، أو للأَزواج ، أو الأول للورثة وهذا للأَزواج كما يأتى ﴿ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ فكيف بكله ، أى ببعض ما آتاهن أولياؤكم الذين عصبتم ، عم لفظ الخطاب فى الفصل والذهاب والإيتاء ، فكان على التوزيع ، وقيل الخطاب فى يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم إلى بعض ما آتيتموهن للأَزواج ، كانوا يحبسون أزواجهم لمالهن ولا رغبة لهم فيهن لدمامتهن ، أو كبر سنهن حتى يمتن فيرثوهن ، وقد أساءوا عشرتهن ، وكان الواجب أن يحسنوا إليهن أو يطلقوهن ، أو حتى يفتدين منهم ببعض مالهن ، أو قوله يا أيها الذين آمنوا إلى كرهاً فى من يرث زوج الميت الذى هو عاصبه و ما بعد ذلك فى الرجل بجانب جماع زوجته فيجعلها كأنها غير ذات زوج ، ويناسبه مع القول قبله قوله ﴿ إلآّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِِّنَةِ ﴾ وقوله ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ الخ ، ويبحث أن لا يخاطب متعدد بعبارتين إلا بقرينة ، كقوله تعالى : يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك ، فلا يقال قم واقعد خطاباً لزيد وعمرو ، والفاحشة المبينة كالنشوز عنه فى فراشه ، أو كلامها ، أو فيما يجب عليها أن تطاوعه فيه ، والبروز للرجال ببدنها أو ثيابها المزينة ، أو رائحتها أو كلامها بحيث لا يجوز ، وعن أبى قلابة وابن سيرين الزنا ، ومصدر يأتين ظرف أى إلا وقت إتيان بفاحشة ، أو مقدر باللام ، أى لا تعضلوهن لعلة إلا لإتيان بفاحشة بنينة ، أى ظاهرة ، وعلى أن الآية فى إرث الإنسان نكاح زوجة وليه وشأنها يكون الاستثناء منقطعاً ، وقيل مفرغ ، أى لشىء إلا لإتيانهن بفاحشة ، أو فى حالٍ ما إلا فى حال إتيانهن بفاحشة ، والتفعيل للمبالغة ، يقال بيّن الشد تبينا فهو مبين ، أى ظاهر ظهوراً عظيما ، أو هو للتعدية ، فالمفعول محذوف ، أى بفاحشة مظهرة نشوزها ، أو مطلق سوءها ، والمعروف : حسن الفعل والقولِ لهن ، ومن الفعل الجماع والمبيت معها ، والنفقة والكسوة والبشاشة ، ويزين لها كما تتزين له ، ومن القول الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والتعليم والتأديب ، والسلام ، فقيل إذا أتت بفاحشة فله أن يطلب الفداء ، ولا يوفى بحقوقها من جماع أو غيرها ، وإن كانت فاحشتها الزنا أبطلت صداقها فله أن لا يعطيها إياه ، وله استراده إن كان قد وصلها ، وقيل لا تبطله إن تابت ، وقال عطاء : كأن الزنى مبطلا لصجاقها بهذه الآية ، ثم نسخ إبطاله بالحسد ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنًّ ﴾ طبعاً بلا سبب منهن ، أوبسبب مما يتحمل ، ولم ينه عنها لأجله ﴿ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً ﴾ علة قامت مقام الجواب لقوة إيجابها إياه ، أى فاصبروا ولا تطلقوهن ، والطلاق مكروه لإمكان أن تكرهوا شيئاً ﴿ وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ كولد صالح تلده المكروهة ، وغيره من المصالح الدينية والدنيوية كالألفة والمودة .
افتحه في القارئ · صفحة ٥١٢