وَلَا تَتَمَنَّوۡا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ لِّلرِّجَالِ نَصِیبࣱ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُوا۟ۖ وَلِلنِّسَاۤءِ نَصِیبࣱ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡءَلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣰا٣٢
الرسم الإملائيّ
وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا
الجزء ٥الربع ٣٣ صفحة ٨٣
تفسيرها
﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ بما خص به بعضكم دون بعض ، لأنَّ ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير ، وعلم بأحوال العباد ، وما ينبغي لكلِّ من بُسط في الرزق أو قبض أن يرضى بما قسم له ، ويسعى لما خلق له ، ولا يحسد غيره على ما خصَّ به ، فالحسد : أن يتمنىَّ أن يكون ذلك الشيء له ويزول عن صاحبه ؛ والغبطة : أن يتمنى مثل ما لغيره ، وهو مرخصَّ فيه في حال ما يمكن ، وأما فيما لا يمكن مثل أن يتمنىَّ الرجال ما للنساء ، أو النساء ما للرجال ، فذلك ما لا يجوز ؛ ولعلَّ النهيَّ متوجِّه في ذلك ، وذلك مما يروي أن أم سلمة وغيرها قالت : << يا ليتنا كنا رجالا ، فجاهدنا وغزونا وكان لنا مثل أجر الرجال >> .
﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ معناه : أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء ، وذلك أن الحسنة تكون على النساء أمثالها ، يستوي فيها الرجال والنساء ، وإن فضل الرجال في الدنيا على النساء في حال ؛ وقيل : معنى ( للرجال نصيب مما اكتسبوا ) من أمر الجهاد ، ( وللنساء نصيب مما اكتسبن ) من طاعة الأزواج ، وحفظ الزينة ، وعلى مشقة الولادة ورضاع الولد وتربيته . ﴿ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ قيل : من رزقه ، وقيل : من عبادته ، وهو سؤال التوفيق للعبادة ، ولا تتمنوا ما للناس من الفضل . ﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ فالتفضيل عن علم بمواضع الاستحقاق .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٥
قوله : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ . ذكر بعضهم قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئاً ولا الصبي؛ وإنما يجعلون الميراث لمن يحترف وينفع ويدفع . فلما ألحق الله للمرأة نصيبها وللصبي نصيبه وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء : لو كان جعل أنصباءنا في الميراث كأنصباء الرجال ، وقالت الرجال ، إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث ، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله : ﴿ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ ؛ يقول : المرأة تجزى بحسناتها عشر أمثالها كما يجزى الرجل .
وتفسير مجاهد : تقول النساء : يا ليتنا كنا رجالاً فنغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال .
قال : ﴿ وَاسْأَلُوا الله مِن فَضْلِهِ إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ . وقال الحسن : لا يتمنّى مال فلان ، ولا دار فلان ، لعله يكون هلاكه فيه .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٥
﴿ وَلاَ تَتَمنَّوْا ﴾ التمنى حب الشىء والميل لوقوعه ولو محالا ، وهو للحال وما بعده ، والتلهف لما مضى ، وأكثر التمنى لا يتحقق ، ويكون فيما يعلم أن يظن وبرؤية ودونها :
أَمَانِىُّ إنْ تُدْرَكْ فَيَا المَنى … وَإلاّ فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَناً رَغْداً
فى المال ، والنكاح ، والولد ، والجاه ، وصحة البدن ، والعلم و السمائع ، والطبائع على جهة الانتقال ، وذلك حسد محرم مؤد إلى التباغض ، وفيه الاعتراض على الله ، وعدم الرضى بالقسم ، ولا سيما من اعتقد أنه أحق ، وتشهى حصْول شىء بلا كد مذموم وتمنى ما لم يقدر معارضة للقدر ، وتمنى ما قدر له بكسب بطالة ، وتمنى ما قدر له بلا كسب ضائع ، كتمنى الذكاء وصحة الزواج ونحوهما ، مما لا قدرة للعبد عليه ، حتى قيل : إن الغبطة منهى عنها بهذه الآية ، وهى تمنَّى مثل ما للغير ، ونسب لمالك ، والمحققين ، قلت ، أما إن أريد تحريمها فلا ، والحق حلها والحظ إليها فى عمل الآخرة لا يسوغ منعه ، وإن أريد الكراهة صح غير عمل الآخرة ، لحديث : لا حسد إلا فى اثنتين والله أعلم بصالح عباده ، ولعل نحو المال المتمنى حسداً أو غبطة هلاك ، وإنما يتمنى زيادة العمل الصالح ، وليقل اللهم أعطنى ما يصلح لدينى وديناى ﴿ لِلّرِّجَالِ نَصِيبٌ ﴾ فى الجنة ، وعن ابن عباس ، المعنى ما أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيباً مقدراً فى الأزل من نعيم الدنيا ، بالتجارات والزراعات وغير ذلك من المكاسب ، فلا يتمن خلاف ما قسم له ﴿ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ﴾ من أعمال الآخرة كالجهاد ، وهو نصيب عظيم ، إلا أن المقام ليس مقام ذكر عظمة ، وكذا فى قوله ﴿ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ ﴾ فى الجنة ﴿ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ﴾ من أعمال الآخرة الأزواج ، وحفظ الفروج ، وإنما المقام لبيان أن لكلِّ نصيباً محدوداً لا يبذل ، لا يدخل فيه غيره ، كما روى أن الآية نزلت إلى قوله عليما فى قول أم سلمة رضى الله عنها : ليتنا كنا رجالا فجاهدنا ، وكان لنا مصل أجر الرجال ولنا نصف الميراث ، ولو كنا رجالا أخذنا ما أخذوا ، وهى أول ظعينة قدمت مهاجرة إلى المدينة ، وفى قول النساء لما نزل الذكر مصل حظ الأنثيين ، نحن أحق بالزيادة من الرجال ، لضعفنا ، وهم أقوياء على أقوياء على طلب المعيشة ، وقول الرجال إنا لنرجو أن يكون الأجر لنا على الحسنات ضعف النساء كالميراث ، وقول النساء نرجو أن يكون وزرنا نصف وزر الرجل كالميراث وإذا فسرنا النصيب بالمقدار من الميراث فالاكتساب استعارة أصلية عن اقتضاء حاله ، من ذكورة أو أنوثة لنصيبه ، واشتق منه على التبعية اكتسب فى الآية استعمال الاكتساب فى الخير ﴿ وَسَأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ ما تحتاجون إليه يعطيكموه ، فإن خزائنه مملوءة لا تنفذ ف تزاحموا بالحسد ولاتمنى ، بل بالعمل ، قال صلى الله عليه وسلم :
« ليس الإيمان بالتمنى » ، فحذف المفعول الثانى للعموم ، أو لدلالة السياق ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « لا يتمنين أحدكم مثل مال أخيه ، وليقل اللهم ارزقنى ، اللهم أعطنى مثله » ، أى كداره وزوجه ، قلت ويزاد على ذلك ، واجعله صلاحا لدنياى وآخرتى ، قال صلى الله عليه وسلم : « سلوا الله من فضله ، فإن الله تعالى يحب أن يسأل » ، وإن من أفضل العبادة أنتظار الفرج ، وقال ابن سيرين : الآية نهى عن تمنى الدنيا ، وأمر بطلب الآخرة وكذا سعيد بن جبير ﴿ إنَّ اللهَ كَانَ بِكُلَّ شَىءٍ عَلِيماً ﴾ فهو عالم بالفضل ومحله وسؤالكم .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٥