سورة النساء · الآية ٤٦ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
مِّنَ ٱلَّذِینَ هَادُوا۟ یُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَیَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَیۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَیۡرَ مُسۡمَعࣲ وَرَٰعِنَا لَیَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنࣰا فِی ٱلدِّینِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُوا۟ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَیۡرࣰا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا یُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِیلࣰا٤٦
الرسم الإملائيّ

مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا

الجزء ٥الربع ٣٤ صفحة ٨٦

تفسيرها

[سورة النساء — آية 46]

﴿ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ ﴾ بيان للذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ يُميلونه ويزيلونه عن مواضعه ، لأنهم إذا بدَّلوه ووضعوا مكانه كلما غيره ، فقد أمالوه عن مواضعه التي وضعها الله فيها وأزالوه عنها . ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا ﴾ قولك ، ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أمرك ، قيل : أسُّروا به ، ﴿ وَاسْمَعْ ﴾ قولنا ، ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أي : اسمع منا ولا نسمعُ منك ، ( غير مسمع ) أي : غير مقبول منك ، وقيل : كانوا يقولون للنبي  : اسمع ، ثم يقولون في أنفسهم : لا سمعت . ﴿ وَرَاعِنَا ﴾ يحتمل راعنا نكلِّمك ، أي : ارقبنا وانتظرنا ، وقيل : غير ذلك ، ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ فتلاً بها وتحريفا ، أي : يفتلون بألسنتهم الحقَّ إلى الباطل ، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقا ﴿ وَطَعْناً فِي الدِّينِ ﴾ أي : قدحا فيه هو قولهم : << لو كان نبيا حقا لاختبرنا بما نعتقد فيه >> . ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ ولم يقولوا : وعصينا ، ﴿ وَاسْمَعْ ﴾ ولم يحلقوا به ، ﴿ وَانظُرْنَا ﴾ مكان راعنا ، ﴿ لَكَانَ ﴾ قولهم ذلك ، ﴿ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ عند الله ﴿ وَأَقْوَمَ ﴾ وأعدل ؛ ﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ طردهم وأبعدهم عن مراشد أمورهم ، بسبب اختيارهم الكفر ، ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ لأن منهم [من] قد آمن أولاً إيمانا قليلا ضعيفا لا ينفع ، أو إيمانا بشيء دون شيء .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٣٩

[سورة النساء — آية 46]

قوله : ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ . قال مجاهد : تبديل اليهود التوراة . وقال الحسن : تحريفهم؛ حرَّفوا كلام الله ، وهو الذي وضعوا من قِبَل أنفسهم من الكتاب ، ثم ادَّعوا أنه من كتاب الله . قال : ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ الله ﴾ [ البقرة : 79 ] .

قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ وهم اليهود . قال الكلبي : ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أي : لا سمعت . وقال الحسن : غير مسمع منا ما تحب . وقال مجاهد : ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ أي : سمعنا ما تقول ولا نطيعك . ﴿ وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أي : غير مقبول ما تقول .

قوله : ﴿ وَرَاعِنَا ﴾ قال الكلبي : يلوي لسانه بالسبّ . وقد فسّرناه في سورة البقرة . وقال الحسن : ( رَاعِنَا ) : السخريّ من القول : ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ يعني ما يلوون به ألسنتهم من كتمانهم محمداً والإِسلام . وقال مجاهد : كان أحدهم يقول : ارعني سمعك ، يلوي بذلك لسانه . قال : ﴿ وَطَعْناً فِي الدِّينِ ﴾ أي في الإِسلام .

قوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا ﴾ حتى نتفهم ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ ﴾ لأمرهم . ﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

قال بعضهم : قلَّ من آمن من اليهود . ذكر محمد بن سيرين قال : ما نعلم أحداً من اليهود أسلم على عهد النبي محمد عليه السلام غير عبد الله بن سلام ، والحسن يذكر آخر ، ما أدري من هو .

ذكروا عن رفاعة القرظي في قوله : ﴿ الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ [ القصص : 52 ] قال : نزلت في عشرة ممن أسلم من اليهود أنا أحدهم .

ذكر أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو آمن بي واتبعني وصدقني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلا اتبعني » فقال كعب : اثنا عشر . وفي حديث الحسن : عشرة . ومصداق ذلك في كتاب الله : ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِّنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ [ المائدة : 12 ] . وقال بعض العلماء : إن لم يكن قال هذا النبي بعدما أسلم الاثنان اللذان قال محمد بن سيرين فما أدري ما هو .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٣٩

[سورة النساء — آية 46]

﴿ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ أى نصيرا لكم على الدين هادوا : فمن بمعنى على ، أو تضمن نصيرا معنى مانعا ، وذلك كقوله عز وجل : ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا ، وقوله عز وجل : فمن ينصرنا من بأس الله ، أو ذلك بيان للذين ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّواضِعِهِ ﴾ حال أو عت لمبتدأ محذوف ، خبره من الذين ، أى من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه أى يميلونه عن مواضعه ، كتحويل ضفته صلى الله عليه وسلم ، والحكم فى التوراة إلى أسود وطويل جدا ، أو قصير جدا ، وإلى جعد الشعر ونحو ذلك عن عكسه ، وإلى الجلد عن الرجم ، والتفسير بغير المراد ، إلقاء الشبه والمحو ، وقوله فى المائدة بعد مواضعه أدل مما هنا على ثبوت مقدار الحكم واشتهارها ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا ﴾ قولك ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أمرك ونهيك ﴿ وَاسْمَعْ ﴾ قولنا أو كلامنا ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ حال كونك مدعوا عليك بلا سمعت ، لموت أو صمم ، وفيه إن الإنشاء لا يفاد بالمفرد ، وهوغير مسمع إذ ليس جملة اللهم إلا بتوسط السمع ، أو حال كونك غير مسمع ، دعوا بلا سمعت ، فتوهموا أو تجاهلوا أن دعوتهم مستجابة ، أو حال كونك غير مسمع كلاما تدعو إليه ، فإنا لا نجيبك إليه أو حال كونك غير مسمع لكراهته ، أو حال كونك غير مسمع ما تكره ، وهذا منافعة ، كقولهم ، راعنا أو ذلك من التوجيه البديعى ، وهو جعل الكلام ذا وجهين كقوله :

خَاطَ لِى عَمْرٌو قِبَاء … لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءْ

احتمل أن تبصر العين العوراء وأن تعمى الباصرة لأنه أعور ﴿ وَرَاعنَا ﴾ اعتبرنا نكلمك ونفهم كلامك ومر فى البقرة ، أو كلمة عبرانية أو سريانية بمعنى الحمق ، أو أنت راعى ما شيتنا فحذفوا الياء ، وذلك شتم ﴿ لَيَّا ﴾ صرفا ، الأصل لويا ، قلبت الواو وأدغمت فى الياء ﴿ بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ إلى الحق ظاهراً عن الباطل سرا ﴿ وَطَعْناً فِى الدِّينِ ﴾ أى لأجل اللى والطعن ، أو حل كونهم لاوين وطاعنين ، أو ذوى لى وطعن ، أو حال كونهم ليا وطعناً مبالغة ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا ﴾ كلامك ﴿ وَأَطْعنَا ﴾ أمرك ونهيك ﴿ وَاسْمَعْ ﴾ كلامنا ﴿ وَانظُرْنَا ﴾ كفى نفهم ﴿ لَكَانَ ﴾ قولهم هذا ﴿ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ نفعاً ، أو أحسن ، أى حسناً ، وقولهم السابق قبيح ، ﴿ وَأَقْوَمَ ﴾ أعدل أى عدلا ، أو خيراً وأقوم باقيان على التفضيل باعتبار اعتقادهم ﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ أبعدهم عن الهدى بكفرهم السابق فالذنب يجلب ذنباً وعقاباً ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إلاّ قَلِيلاً ﴾ زماناً قليلا ، ويرجعون للكفر عناداً ، وذلك فى قلوبهم ، وفيما بينهم ، وفى السر أو إلاّ إيماناً قليلا ، وهو إيمان ببعض الرسل وبعض آيات القرآن ، ولا ينفعهم ، أو أريد بالقلة العدم أى إلا إيمانا معدوما ، فهومن أبلغ نفى ، كما تقول قلما فعل زيد كذا ، تريد أنه لا يفعله ألبتة أو النصب على الاستثناء من الواو ، أى قليلا منهم آمنوا أو سيؤمنون .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٣٩