إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُوا۟ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا یَعِظُكُم بِهِۦۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِیعَۢا بَصِیرࣰا٥٨
الرسم الإملائيّ
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا
الجزء ٥الربع ٣٥ صفحة ٨٧
تفسيرها
﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ قيل : قد دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان ، وحفظ الحواس التي هي ودائع الله . ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ﴾ قيل : نعم شيء يعظكم به . وقيل : نعمَّا يعظكم به ذاك ، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم ، ﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٥١
قوله : ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ .
لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن طلحة فقال : أرنا المفتاح . فلما أتاه به قال العباس : يا رسول الله أجمعه لي مع السقاية ، فكفَّ عثمان يده مخافة أن يدفعه إلى العباس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأرنا المفتاح » فقال : هاك في أمانة الله . فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففتح باب الكعبة ، فأفسد ما كان فيها من التماثيل ، وأخرج مقام إبراهيم فوضعه حيث وضعه . ثم طاف بالبيت مرة أو مرتين . فنزل عليه جبريل ، فأمره برد المفتاح إلى أهله . فدعا عثمان بن طلحة فقال : هاك المفتاح ، إن الله يقول : أدوا الأمانات إلى أهلها .
قال : ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إِنَّ الله نِعِمَّاً يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ .
ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحجبي يومئذ : هاك ، ورمى إليه بالمفتاح ، خذها فإن الله قد رضيكم لها في الجاهلية والإِسلام .
ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل مأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي إلا السدانة والسقاية ، فإني قد أمضيتهما لأهلهما » .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٥١
﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ أمانات الله من أوامره ونواهيه ، وأمانات الأزواج والأولاد والعبيد ، وسائر رعية الإنسان ، وأمانات سائر الخلق فلا يخون الإنسان بإنشاء سر ، ولا تضييع مال أو إفساده ، وسبب نزول الآية خاص ، نزلت بمكة ، لما فتحت مكة أغلق عثمان بن طلحة ابن عبد الدار البيت وصعد السطح فطلب صلى الله عليه وسلم المفتاح ، فقيل إنه مع عثمان ، فطلب منه ، فأبى وقال : لو علمت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أمنعه المفتاح ، فلوى على بن أبى طالب يده وأخذه منه المفتاح وفتح الباب ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت ، وصلى ركعتين ، وأخرج منه تمثال إبراهيم وقداحا يسنقسمون بها ، والمقام وكان داخل البيت ، وقال : قبحهم الله ، ما شأن إبراهيم والقداح ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة ، فنزلت الآية ، فأمر عليَّا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه ، ففعل ، فقال عثمان : أكرهتنى وآديتنى ، ثم جئت برفق إلىَّ ، فقال : لقد أنزل الله فى شأنك قرآنا ، فقرأها ، فقال عثمان : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فهبط جبريل فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن السدانة فى أولاد عثمان أبداً ، لا ينزعهامنهم إلا ظالم وشهد أن عثمان بن طلحة أسلم فى هدنة الحديبية مع خالد وعمرو بن العاص كما رأيت فى استيعاب أبى عمر يوسف بن عبد البر ، وهاجر عثمان بعد ، ودفع المفتاح لأخيه شيبة وشهد أنه لم يمتنع ، لكن كلما أراد إعطاءه إياه صلى الله عليه وسلم سأل العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيه إياه فيأبى عثمان ، حتى قال صلى الله عليه وسلم بعد الامتناع الثانى إن كنت تؤمن بالله فأعطنيه ، فأعطاه ، فقال خذه على أمانة الله ، وعلى كل حال هو أمانة فى يد عثمان ممن قبله ، وهكذا حقق ، والتحقيق أن الخطاب عام ، وقيل لولاة الأمر ويناسبه قوله تعالى ﴿ وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ الواو داخلة على تحكموا ، عاطفة له على تؤدوا ، وإذا خارج عن الشرط متعلق بتحكموا على أنه لا صدر لأَن المصدرية وذلك قول الكوفيين ، أى أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وأن تحكموا بالعدل إذا أردتم الحكم بين الناس ، والبصريون يعطفون إذا على محذوف أى إن الله يأمركم فى كل وقت بأن تؤدا الأمانات إلى أهلها ، وفى وقت الحكم بين الناس بأن تحكموا بالعدل ، أو يعلق بيأمر ، مقدرا أى ويأمركم إذا حكمتم الخ والأمر من الله سابق لكن اعتبر تعلقه بالحكام ، والخطاب لكل من يصلح للحكم ممن عينه الإمام أو السلطان فينفذ أمره ، أو لم يعينه فلا ينفذ إلا برضى الخصمين ، ولو نفذ فيما بيهما وبين الله ، روى أن صبيين تحاكما إلى الحسن بن على ، أيهما أجود خطا ، فقال على : يا بنى انظر كيف تحكم ، فإن الله تعالى سائلك عما تحكم به يوم القيامة ، وقال صلى الله عليه وسلم :
« يا على سوٍّ بين الخصمين فى لفظك ولحظك » من أداء الأمانات والحكم بالعدل ﴿ إنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ بكم وبأحوالكم ، ومنها حالكم فى الأمانات والحم ، ما واقعة على الشىء موصولة ، أى نعم الشىء الذى يعظكم به تأدية الأمانة والحكم بالعدل .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٥١