أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ قِیلَ لَهُمۡ كُفُّوۤا۟ أَیۡدِیَكُمۡ وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَیۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِیقࣱ مِّنۡهُمۡ یَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡیَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡیَةࣰۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَیۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَاۤ أَخَّرۡتَنَاۤ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ قَرِیبࣲۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡیَا قَلِیلࣱ وَٱلۡءَاخِرَةُ خَیۡرࣱ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِیلًا٧٧
الرسم الإملائيّ
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
الجزء ٥الربع ٣٦ صفحة ٩٠
تفسيرها
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ﴾ أي : عن القتال ، ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ ﴾ يخافون أن يقاتلهم الكفار ، كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه ، لا شكا في الدين ولا رغبة فيه ، ولكن نفورا عن الأخطار بالأرواح ، أو خوفا من الموت ، أي : يخشون الناس مثل خشية الله ، أي : مشبهين لأهل خشية الله ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ أو أشد خشية من أهل خشية الله ، << أو >> للتخيير ، أي : إن قلت : خشيتهم الناس كخشيتهم الله فأنت مصيب ، وإن قلت : إنها أشدُّ فأنت مصيب ، لأنهم حصل لهم مثلها وزيادة .
﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ هلاَّ أمهلتنا إلى الموت ، فنموت على الفرش ، وهو سؤال عن وجه الحكمة في فرض القتال عليهم ، أو لتأخير القتال عنهم ، من حال إلى حال ، كما قالوا : ( لا تنفروا في الحر ) . ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى ﴾ متاع الدنيا قليل زائل ، ومتاع الآخرة كثير دائم ، والكثير إذا كان على شرف الزوال فهو قليل ، فكيف القليل الزائل . ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتل ؛ فلا ترغبوا عنـــه .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٧٠
قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ أي : بل أشد خشية .
قال بعضهم : هؤلاء قوم من أصحاب النبي عليه السلام ، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة ، تنازعوا إلى القتال وسارعوا إليه حتى قالوا : يا نبي الله ، ذرنا نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين؛ فنهاهم النبي عن ذلك . فلما كانت الهجرة ، وأمروا بالقتال كره القوم ذلك . ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ فقال الله : ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ وكانوا أمروا بالقتال في سورة الحج في قوله : ﴿ أُذِنَ لِلذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ [ الحج : 39 ] ، وفي سورة العنكبوت ﴿ الم أَحَسِبَ النَّاسُ أن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾ أي لا يقاتلون . . . إلى قوله : ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ﴾ [ العنكبوت : 1-6 ] .
وقال الكلبي : كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر رسول الله إلى المدينة . وكانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً فقالوا : يا رسول الله ، ألا تأذن لنا في قتال هؤلاء القوم؟ فقال لهم رسول الله : « كفوا أيديكم عنهم ، فإني لم أومر بقتالهم » ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار إلى بدر فعرفوا أنه القتال ، كرهوا أو بعضُهم .
قال الله : ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ أي إلى الموت . قال الله لنبيه : ﴿ قُلْ ﴾ يَا محمد : ﴿ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ . . . إلى آخر الآية .
وقال الحسن : قالوا : يا رسول ، ألا نأتي المشركين بمعاولنا فنقتلهم في رحالهم . قال ذلك عبد الرحمن بن عوف وأصحابه . ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ . وذلك لما في قلوبهم من الخشية ، لما طبع عليه الآدميون وهم مؤمنون .
﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلاَ ﴾ أي : هلا ﴿ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ . قالوه في أنفسهم . والأجل القريب أجلهم . لولا أخرتنا إلى أجل ، أي لولا أخرتنا حتى نموت على فُرُشنا بغير قتال؛ وذلك لكراهتهم لقتال آبائهم وأبنائهم وإخوانهم ، وهو قوله تعالى : ﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴾ [ الأنفال : 5 ] وليس بكراهية يردون فيها أمر الله وأمر نبيه؛ فقال الله لمحمد : قُل لهم ﴿ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ أي : إنكم على كل حال ميّتون والقتل خير لكم .
قال الله : ﴿ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ . والفتيل هو الذي في بطن النواة .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٧٠
﴿ أَلَمْ تَرَ إلَى ﴾ المؤمنين ﴿ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ﴾ قال لهم النبى صلى الله عليه وسلم ﴿ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ عن قتال الكفار فى مكة حين آذاهم الكفار ، كعبد الرحمن ابن عوف ، والمقداد بن الأسود ، وهو المقداد بن عمرو ، وسعد بن أبى وقّاص ، لو أذنت لنا فى القتال ، فيقول لهم : كفوا أيديكم ، ثم هجروا ، وأمروا بقتال المشركين ، وكرهوا ذلك بالطبع ، لا عصياناً أو نفقاثاً أو رودة ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ ﴾ وأدوا ما أمرتم ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ ﴾ فى السنة الثانية ، جواب لما محذوف ، أى كرهوه ، وقيل هو قوله ﴿ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ﴾ من لبيان الفريق الموضوع موضع الضمير لحكمة التلويح إلى تمييزهم بخشية الناس ، كأنه قيل ، فريق مغايرهم ، هؤلاء الذين قيل لهم كفوا ، ويحرز أن يكون قوله إلى الذين قيل لهم الخ مراداً به المجموع أعم من الخاشين ، لقوله منهم عل أن من للتبعيض ﴿ يَخْشَونَ النَّاسَ ﴾ يخشون قتال الناس الكفرة ﴿ كَخَشْيَةِ اللهِ ﴾ كخشيتهم ، أو خشية غيرهم الله أن ينزل صاعقة ، أو يرجمهم ، أو يخسف بهم أو ينزل عليهم طاعوناً ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ أة أو خشية أشد خشية ، فخشية تمييز لأشد ، فيكون أسند الخشية إلى الخشية ، أى خشية أشد خشية ، كقولهم صومه أصوم من صومك ، من المجاز العقلى ، وأشد معطوف على الكاف إن كانت إسماً ، أو على منعوت محذوف ، ففتح أشد نصب ، أو معطوف على خشية ، فالقتح جر ، أو المعطوف خشية ، وأشد نعته ، قدم فكان حالا ، أى خشية كائنة كخشية الله ، أو خشية أشد من خشية الله ، وأو للتنويع أو بمعنى بل ، وهما أولى من كونها لتخيير السامع أن يعبر بما شاء من الخشيتين وقيل للإبهام ﴿ وَقَالُوا ﴾ بقلوبهم ، أو مع ألسنتهم ، جزعاً من الموت لا ردة أو عصياناً ، فلم يوبخوا ، أو قالوه سؤالا من الحكمة ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ ﴾ الآن ﴿ لَوْلآَ أَخَّرْتَنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٌ ﴾ غير بعيد قبل موتنا ، ولم يعطف قوله لولا الخ لئلا يتبادر أنهم قالوا مجموع الكلامين بعطف الثانى على الأول ، مع أنهم قالوا أحدهما تارة وآخر تارة ، قلت : بل يتبادر ذلك بالعطف ﴿ قَلْ ﴾ ترغيباً فى القتال وثوابه وعن الدنيا ﴿ مَتَاع الدُّنْيَا ﴾ تمتعها أو ما يتمتع فيها ﴿ قَلِيلٌ ﴾ كمية وزمانا ناقص بالنسبة إلى متاع الآخرة ﴿ وَالأَخِرَةُ ﴾ متاعها ﴿ خَيْرٌ لِّمَنِ اتقَّى ﴾ موجبات النار ، وهى دائمة كثيرة الخير لا كدر فيها ، قال صلى الله عليه وسلم : « والله ما الدنيا فى الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه فى اليم فلينظر يم يرجع » ، ويقال : الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ أى يوفر فيها الثواب لكم ولا تظلمون بنقص من ثوابكم ولا من آجالكم ، ولا بزيادة فى سيئاتكم ﴿ فَتِيلاً ﴾ مقدار ما يكون فى شق النواة ، أو ما يفتل بين الأضبعين ، ثم يلقى لحقارته ، فلا ترغبوا عن ثواب الأعمال ولا تحجموا عن القتال إذ لا يقرب أجلا عن وقته .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٧٠