سورة النساء · الآية ٧٨ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
أَیۡنَمَا تَكُونُوا۟ یُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِی بُرُوجࣲ مُّشَیَّدَةࣲۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةࣱ یَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَیِّئَةࣱ یَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰۤؤُلَاۤءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا یَكَادُونَ یَفۡقَهُونَ حَدِیثࣰا٧٨
الرسم الإملائيّ

أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا

الجزء ٥الربع ٣٦ صفحة ٩٠

تفسيرها

[سورة النساء — آية 78]

ثم أخبر أن الحذر لا ينجي من القدر بقوله : ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ ﴾ حصون أو قصور ، ﴿ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ مرفعة والبروج في الأصل : بيوت على أطراف القصر ، من " تبرجت المرأة " إذا أظهرت زينتها . ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ نعمة من خصب أو رخاء ، ﴿ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾ ينسونها إلى الله ، ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ بلية من شدة أو قحط ، ﴿ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ ﴾ أضافوها إليك ، وقالوا : هي من عندك ، وما كانت إلاَّ بشؤمك ، وذلك أن المنافقين واليهود كانوا إذا أصابهم خير حمدوا الله ، وإذا أصابهم مكروه نسبوه إلى محمد ، فكذبهم الله بقوله : ﴿ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ ﴾ أي : كل ذلك ، فهو يبسط الأرزاق ويقبضها ؛ ﴿ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ ﴾ يفهمون ﴿ حَدِيثاً ﴾ فيعلمون أن الله هو الباسط القابض . وكلُّ ذلك صادر عن حكمة ؛ فنفى عنهم فقه كل حديث وهو كقوله : ( لا يعقلون شيئا ....) .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٧١

[سورة النساء — آية 78]

ثم أخبرهم ليعزيهم ويصبّرهم فقال : ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ قال بعضهم : في قصور محصّنة .

قال الحسن : ثم ذكر المنافقين خاصة فقال : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ أي : النصر والغنيمة ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ أي : نكبة من العدو ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ ﴾ أي إنما أصابتنا هذه عقوبة مذ خرجتَ فينا ، يتشاءمون به . ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾ أي : النصر على الأعداء والنكبة؛ نكبوا يوم أحد عقوبة .

ثم قال : ﴿ فَمَالِ هَؤُلاَءِ القَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ فظفرت بها ونصرت على المشركين ﴿ فَمِنَ الله وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ ﴾ أي : من نكبة ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ أي بذنوبهم ، وكانت يوم أحد [ عقوبة من الله بمعصيتهم رسول الله حيث اتبعوا المدبرين ] ، وبأخذهم الفدية من أسارى أهل بدر .

وفي تفسير الحسن : ليست هذه المعصية في المنافقين خاصة . وقال بعضهم : مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ، أي : عقوبة بذنبك .

قال : ﴿ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِالله شَهِيداً ﴾ أي على عباده .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٧١

[سورة النساء — آية 78]

﴿ أيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ ﴾ فى حضل أو سفر ﴿ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ ﴾ حصون ، وأصل البرج البناء فوق القصل على طرفه أو وسطه ، وهو من البرج بمعنى الظهور ، والظهور يوجد فى الكل ، أو المراد بروج السماء الكوكبية ، أو قصور فى السماء الدنيا ، أو البيوت التى فوق القصور ﴿ مُشَيَّدَةٍِ ﴾ مقواة بالجير ، أو مرفوعة مطولة ، فلا تخشوا الموت فى القتال فإن الموت لأجله فلا يؤخره ترك القتال ، ومن قدر الله عز وجل له الموت بقتال لم يجد إلا أن يحضره ويموت فى وقت موته وموضعه ، ومن قدره الله عليه فى غيره لم يجد أن يموت فى القتال ولا أن يموت فى غير وقت موته ومكانه ، وعن مجاهد كان فى من قبلكم امرأى لها أجير ، فولدت جارية ، فقالت لأجيرها : اقتبس لنا نارا ، فخرج فوجد بالباب رجلا ، فقال له الرجل : ما ولدت هذه المرأة؟ قال : جارية ، قال : أما إن هذه الجارية لا تموت حتى تزنى بمائة ، يتزوجها أجيرها ، ويكون موتها بالعنكبوت فقال الأجيرفى نفسه : أنا لا أريد هذه بعد أن فتجر بمائة لأقتلهما ، فأخذ شفرة ، فدخل فشق فى بطنه وخرج على عقبه ، وركب البحر ، وخيط بطن الصبية فبرئت ، وشبت ، فكانت تزنى ، فأتت ساحلا من سواحل البحر ، فأقامت عليه من أهل الساحل اطلبى لى امرأة من القرية أتزوجها ، فقالت : ها هنا أمرأة منها أجمل النساءولكنها تفجر ، فقال إيتينى بها ، فأتها ، فقالت : قد تركت الفجور ، وإن أراد تزوجته ، فتزوجها الرجل فوقعت منه موقعاً حسناً ، فبينما هو يوماً عندها إذ أخبرها بأمره ، فقالت : أنا تلك الجارية ، فأرته الشق الذى فى بطنها ، وقالت قد كنت أفجر فما أدرى بمائة أوأقل أو أكصر ، قال : فإن الرجل قال لى يكون موتها بعتكبوت ، فبنى لها برجا بالصحراء ، فشيده ، فبينما هى يوما فى ذلك البرج فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته وساح سمه بين ظفرها ، ولحم الأصبع فاسودت رجلها ، فماتت ، وفى ذلك نزلت الآية ، وهى إينما تكونوا يدرككم السابق ، أو هى جواب لقولهم لو أخرتنا ، وقوله قل متاع الدنيا قليل الخ جواب لقولهم لم اكتبت علينا القتال ﴿ وَإن تُصِبْهُمْ ﴾ أى اليهود ، ولو لم يجر لهم ذكر والدليل الحال ، لأن اليهود قالوا : نقصت ثمارنا وغلت اسعارنا حين قدم محمد وأصحابه ، فنزلت الآية ، كما قال فى أوائلهم ، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى الخ أو الضمير لليهود والمنافقين ، ولو لم يجر لهم ذكر كذلك ، إذ قحطوا حين قدم صلى الله عليه وسلم المدينة ، قالواضح أنها نزلت فيهم وفى اليهود معا ، إذ تشاءموا به فى القحط حين قدم المدينة ، وقيل فى ابن اُبى ومن معه من المنافقين ، إذ قالوا لوقعة أحد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ نعمة ، وأما الحسنة بمعنى الطاعة فلا يقال فيها أصابنى ، بل أصبتها ، لأن الإنسان يأتيها هو ولا تأتيه هى ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ ﴾ هو كلام حق إلا أنهم أخطأوا فى قولهم الذى ذكره الله بقوله ﴿ وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ بلية كنقص الثماء وغلاء الأسعار ، كما وقع عند هجرة النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأما السيئة بمعنى المعصية فيقال أصبتها لا أصابنى لأن فاعلها هو يجيئها لا هى ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ ﴾ وتم الرد عليهم عند قوله تعالى قل كل من عند الله ، لأنها من الله خلقا الأمته ، ولأنها ليست من شؤمه صلى الله عليه وسلم إذ لا شؤم له ، حاشاه ، بل هو واسطة للبلاء بشؤمهم ، وذلك كله ظاهر غاية الظهور لهذا قال الله تعالى قوله ﴿ قُلْ كُلٌّ ﴾ من الحسنة والسيئة ﴿ مِّنْ عِندِ اللهِ ﴾ خلقا ، والحسنة منه فضل ، والسيئة بشؤم ذنوبهم مانصه ﴿ فَمَالِ هَؤُلآءِ القَوْمِ ﴾ اليهود والمنافقين تعجيب ﴿ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ قولا يلقى إليهم ، كأنهم بهائم ، ما قربوا من أن يفهموا ، فضلا عن أن يتصفوا بأنهم فاهمون ، والإنسان إما فاهم وإما قريب من الفهم ثم فهم ، أو لم يفهم ، وإما بعيد من الفهم ثم فهم أو لم يفهم ، وهؤلاء بعدوا عن الفهم ولم يفهموا بعد ، أو الحديث ما نزل من القرآن ، أو كلام جاء من عند الله مطلقا ، أو الحديث صروف الدهر المنبئة بأن الله تعالى هو خالقها ، وليس المراد بالحسنة والسيئة فعل الطاعة والمعصية فضلا عن أن نستدل بقوله كل من عند الله على أن أفعالنا خلق من الله ولو كانت خلقا لدلائل خلقا لفاعلها ، والجملة حال من هؤلاء .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٧١