سورة النساء · الآية ٨٨ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
فَمَا لَكُمۡ فِی ٱلۡمُنَٰفِقِینَ فِئَتَیۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوۤا۟ۚ أَتُرِیدُونَ أَن تَهۡدُوا۟ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن یُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِیلࣰا٨٨
الرسم الإملائيّ

فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا

الجزء ٥الربع ٣٧ صفحة ٩٢

تفسيرها

[سورة النساء — آية 88]

﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ أي : ما لكم اختلفتم في شأن قوم قد نافقوا نفاقا ظاهرا ، وتفرَّقتم فيهم فرقتين ؛ وما لكم لم تقطعوا القول بكفرهم ؛ قيل : إن فرقة سمَّتهم مشركين ، وفرقة سمَّّتهم مؤمنين ، فرد الله عليهم ، وأخبر أنهم ليسوا بمشركين ولا مؤمنين ، ولكنهم منافقون ، وأخبر أنه ( أركسهم بما كسبوا ) ، ثم قال عتابا لهم : ( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) ، لأنه يوقع العتاب هاهنا على من سمَّاهم مؤمنين ، ثم قال : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) فسمَّاهم كفَّارا ، ثم قال : ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ) فقد انقطعت الولاية بين المؤمنين والكفَّار حتى يهاجروا في سبيل الله . ﴿ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ ﴾ أي نكسهم وردهم إلى الكفر بما كسبوا ، ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ ﴾ أن تجعلوهم مهتدين ، ﴿ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ ﴾ من جعله الله ضالاً ، أو تريدون أن تسمَّوهم مهتدين ، وقد أظهر الله ضلالهم ، فيكون تعبيرا لمن سمَّاهم مهتدين ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ طريقا إلى الهداية .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٨١

[سورة النساء — آية 88]

قوله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ . هم قوم من المنافقين كانوا بالمدينة . فخرجوا منها إلى مكة ، ثم خرجوا منها إلى اليمامة تجاراً [ فارتدوا عن الإِسلام وأظهروا ما في قلوبهم من الشرك ] وتخلفوا عن نبي الله في الهجرة؛ فلقيهم المسلمون فكانوا فيهم فئتين أي فرقتين .

[ قال فريق منهم : قد حلت دماؤهم وهم مشركون مرتدون ، وقال بعضهم : لم تحل دماؤهم ، هم قوم عرضت عليهم فتنة . فقال الله : فما لكم في المنافقين فئتين ، وليس يعني أنهم في تلك الحال التي أظهروا فيها الشرك منافقون ، ولكنه نسبه إلى أصلهم الذي كانوا عليه بما كان في قلوبهم من النفاق؛ يقول ] : قال بعضكم كذا وقال بعضكم كذا ، فهلا كنتم فيهم فئة واحدة [ ولم تختلفوا في قتلهم ] . ثم قال الله :

﴿ وَالله أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ﴾ [ أي ردهم إلى الشرك ] بما اقترفوا من النفاق . ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الله وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾ [ أي في الكفر شرعاً سواء ] . ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ أي : لا توالوهم . ﴿ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ الله ﴾ فيرجعوا إلى الدار التي خرجوا منها ، يعني المدينة . ﴿ فَإِن تَوَلَّوْا ﴾ أي أبوا الهجرة ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٨١

[سورة النساء — آية 88]

﴿ اللهُ لآَ إِلَهَ إلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلَى يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ أى ليجمعنك م بالموت ، لا يزال يجمعكم به إلى يوم القيامة ، والرزخ من يومها ، ويوم قيامة كل أحد يوم موته ، وأما أن يجعل يوم القيامة غاية للجمع من القبور ، فلا يصح ، لأن الزمان والمكان لا يكون أحدهما مبدأ لللآخر والأخر غاية له ، بل غاية الزمان ومبدؤه الزمان وغاية المكان ومبدؤه المكان ، أو إلى بمعنى فى ، أى ليجمعنكم من قبوركم فى يوم القيامة ، والقيامة قيام الناس من قبورهم ، أو قيامهم فى الموقف للحساب وعدى الجمع بإلى تضميناً له معنى الحشر ، والحشر فيه معنى السوق والاضطرار ، وليس هذا المعنى ملحوظاً فى الجمع ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أى فى يوم القيامة ، أو فى الجمع المفهوم من ليجمعنكم ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً ﴾ لا أصدق منه ولا مساوى ، ومثل هذه العبارة يستعمل فى نفى المساواة مع نفى الزيادة ، ولما رجع عبد الله بن أُبىّ وأصحابه الذين خرجوا لى أُُجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، خذلاناً له وغضباً عن عدم قبوله رأيه فى عدم الخروج إلى أُحُد ، اختلف المسلمون ، فقال فريق : اقتلهم يا رسول الله ، فما رجعوا إلا لكفرهم ، وفريق لا تقتلهم لنطقهم بالشهادتين ، والعتاب لهذا الفريق ، وآمن قوم ولم يهاجروا ، وهاهجر آخرون ، فاستأذنوه صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا للبدو ، فارتحلوا مرحلة بعد مرحلة حتى التحقوا بالمشركين ، وهاجر قوم ثم ارتدوا ، وزعموا أنهم يرجعون إلى مكة ليرجعوا بأموالهم وبضائعهم ، فقتلهم فنزل فى ذلك كله قوله تعالى :

﴿ فَمَا لَكُم فِى المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ طائفتين ، حال ولو جامدا ، لأن معناه الذين أغاروا على السرح ومثلوا براعيه يسار ، قطعوا يديه ورجليه ، وغزوا الشوك فى لسانه وفى عينيه ، لأنه صلى الله عليه وسلم قتلهم ، وفعل بهم ما فعلوا ، ولا خلاف للمؤمنين فيهم ، ولا أُمر المؤمنون بمعاقبتهم ﴿ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ ﴾ قلبهم كما يقلب علىّ لسافل وكما يقلب الطعام ، رجيعاً عن القتال معك وعن الخير ، وإلى إظهار أمارة كفرهم بعد اجتهادهم فى كتمها ، لا إلى القتل والسبى ، لأنهم لم يفعلا بهم ، والجملة حال من كاف لكم أو من المنافقين ﴿ بِمَا كَسَبُوا ﴾ من المعاصى أو بكسبهم ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ ﴾ توبيخ لهم وإنكار عليهم على إرادتهم توفيق من أضله الله ، أو على عده من المهتدين ، والمراد بمن المعهودين ، أو العموم ، فيدخل المعهودون بالأولى ، وهو حسن لا باطل كما قيل ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِلاً ﴾ إلى الهدى وهذا يضعف ما مر من تفسير الهدى بالعد من المهتدين .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٨١