تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النساء

الجزء النساء · صفحة ٠
[سورة النساء — آية 88]

﴿ اللهُ لآَ إِلَهَ إلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلَى يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ أى ليجمعنك م بالموت ، لا يزال يجمعكم به إلى يوم القيامة ، والرزخ من يومها ، ويوم قيامة كل أحد يوم موته ، وأما أن يجعل يوم القيامة غاية للجمع من القبور ، فلا يصح ، لأن الزمان والمكان لا يكون أحدهما مبدأ لللآخر والأخر غاية له ، بل غاية الزمان ومبدؤه الزمان وغاية المكان ومبدؤه المكان ، أو إلى بمعنى فى ، أى ليجمعنكم من قبوركم فى يوم القيامة ، والقيامة قيام الناس من قبورهم ، أو قيامهم فى الموقف للحساب وعدى الجمع بإلى تضميناً له معنى الحشر ، والحشر فيه معنى السوق والاضطرار ، وليس هذا المعنى ملحوظاً فى الجمع ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أى فى يوم القيامة ، أو فى الجمع المفهوم من ليجمعنكم ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً ﴾ لا أصدق منه ولا مساوى ، ومثل هذه العبارة يستعمل فى نفى المساواة مع نفى الزيادة ، ولما رجع عبد الله بن أُبىّ وأصحابه الذين خرجوا لى أُُجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، خذلاناً له وغضباً عن عدم قبوله رأيه فى عدم الخروج إلى أُحُد ، اختلف المسلمون ، فقال فريق : اقتلهم يا رسول الله ، فما رجعوا إلا لكفرهم ، وفريق لا تقتلهم لنطقهم بالشهادتين ، والعتاب لهذا الفريق ، وآمن قوم ولم يهاجروا ، وهاهجر آخرون ، فاستأذنوه صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا للبدو ، فارتحلوا مرحلة بعد مرحلة حتى التحقوا بالمشركين ، وهاجر قوم ثم ارتدوا ، وزعموا أنهم يرجعون إلى مكة ليرجعوا بأموالهم وبضائعهم ، فقتلهم فنزل فى ذلك كله قوله تعالى :

﴿ فَمَا لَكُم فِى المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ طائفتين ، حال ولو جامدا ، لأن معناه الذين أغاروا على السرح ومثلوا براعيه يسار ، قطعوا يديه ورجليه ، وغزوا الشوك فى لسانه وفى عينيه ، لأنه صلى الله عليه وسلم قتلهم ، وفعل بهم ما فعلوا ، ولا خلاف للمؤمنين فيهم ، ولا أُمر المؤمنون بمعاقبتهم ﴿ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ ﴾ قلبهم كما يقلب علىّ لسافل وكما يقلب الطعام ، رجيعاً عن القتال معك وعن الخير ، وإلى إظهار أمارة كفرهم بعد اجتهادهم فى كتمها ، لا إلى القتل والسبى ، لأنهم لم يفعلا بهم ، والجملة حال من كاف لكم أو من المنافقين ﴿ بِمَا كَسَبُوا ﴾ من المعاصى أو بكسبهم ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ ﴾ توبيخ لهم وإنكار عليهم على إرادتهم توفيق من أضله الله ، أو على عده من المهتدين ، والمراد بمن المعهودين ، أو العموم ، فيدخل المعهودون بالأولى ، وهو حسن لا باطل كما قيل ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِلاً ﴾ إلى الهدى وهذا يضعف ما مر من تفسير الهدى بالعد من المهتدين .

٥٨١ / ٦٬٢٣٦