سورة النساء · الآية ٩٨ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِینَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا یَسۡتَطِیعُونَ حِیلَةࣰ وَلَا یَهۡتَدُونَ سَبِیلࣰا٩٨
الرسم الإملائيّ

إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا

الجزء ٥الربع ٣٧ صفحة ٩٤

تفسيرها

[سورة النساء — آية 98]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي : في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة ، ﴿ قَالُواْ ﴾ قال الملائكة للمتوفين : ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ في أي شيء كُنتم من أمر دينكم ، ومعناه التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين ، وذلك كُّل كافر يوبخ على ما كفر به ، ويقرُّ في ذلك الحين بما أنكر ، ويسأل الرجوع إلى الدينا ليصلح ما أفسد . ﴿ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ ﴾ عن الهجرة ﴿ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ ﴾ أي : الملائكة موبخين لهم : ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ أرادوا : إنكم كنتم قادرين على الخروج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام ، وإلى الرسول  ، وهذا يدُّل على أن الإنسان إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر الدين لبعض العوائق ، وعلم أن غير بلده أقوم بحق الله ، وجبت عليه المهاجرة ؛ وفي الحديث : (( من فرَّ بدينه من أرض إلى أرض ، وإن كان شبرا من الأرض ، استوجب الجنة )) .﴿ فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾ ﴿ إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ في الخروج منها لفقرهم أو لعجزهم ؛ وفيه دليل على وجوب الاحتيال لإقامة الدين . ﴿ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ ولا معرفة لهم بالمسالك .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٩١

[سورة النساء — آية 98]

قوله : ﴿ إِنَّ الذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا ﴾ أي قالت لهم الملائكة ﴿ فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ﴾ يعني [ مقهورين في أرض ] مكة ﴿ قَالُوا ﴾ أي قالت لهم الملائكة ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾ أي إليها . قال الله : ﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾ أي بئس المصير من صار إلى جهنم .

ذكروا عن بعضهم قال : هؤلاء قوم كانوا بمكة تكلَّموا بالإِسلام ، فلما خرج أبو جهل وأصحابه خرجوا معه فقتلوا يوم بدر ، فاعتذروا بغير عذر ، فأبى الله أن يقبل ذلك عنهم . ثم عذر الذين بمكة واستثناهم فقال : ﴿ إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ [ أي لا قوة لهم فيخرجون من مكة إلى المدينة ] ﴿ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ أي لا يعرفون طريقاً إلى المدينة ﴿ فَأُولَئِكَ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ وعسى من الله واجبة . ﴿ وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ .

وقال مجاهد : هم أناس كانوا بمكة لم يستطيعوا أن يخرجوا معهم ، فعذرهم الله . وقوله : ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ . قال مجاهد : طريق المدينة .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٩١

[سورة النساء — آية 98]

﴿ إلاّ المُسْتَضْعَفِينَ ﴾ الموجودين ضعفاء ، أو المعدودين ضعفاء ، لعرج ، أو مرض ، أو عمى ، أو ضعف بدن ، أو نحو ذلك ، أو المقهورين ، والاستثناء منقطع ، فإن المستضعفين الموتى ، أو المستضعفين مطلقا لا يطيقون الهجرة ، فلا يكفون بما لا طاقة به ، فلم يدخلوا فى الذين توفاهم الملائكة الخ ، ولا فى مأواهم جهنم ، ولا سيما الصبيان ، وهم المراد بالولدان ، حتى لا يتوهم دخولهم ، مع أنه لا مانع نم توهم بادىء الرأى دخولهم ، فذكرهم مع عدم توهم دخولهم مبالغة فى التحذير ، أو مراعاة لإشرافهم على وجوب الهجرة بقرب البلوغ ، ومراعاة لمن سيبلغ قبل نسخ الهجرة ومراعاة لهجرة قائميهم بهم ن كما خوطب قائموهم بزكاة أموالهم وبشؤنهم ﴿ مِنَ الرِّجَالِ ﴾ كعياش بن أبى ربيعة ، وسلمة بن هشام ﴿ وَالانِسَّآءِ وَالْوَلْدَانِ ﴾ الصبيان ، وقد يطلق على الذكور والإناث ، وهو المراد فى الآية تغليبا للذكور ، ويجوز أن يراد بهم المماليك ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ يتوصلون بها إلى الهجرة ﴿ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ لا يعرفون طريقا إلى المدينة ، ولا يجدون دليلا ، أو لا يهتدون إلى سبيل ، أو لا يهتدى سبيلهم ، بل يعوج لو خرجوا إليها .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٩١