یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ١٣
الرسم الإملائيّ
يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
الجزء ٢٦الربع ٢٠٦ صفحة ٥١٧
تفسيرها
}يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴿ من آدم وحواء، أو خلقنا كل واحد منكم من أب وأم، فالكل سواء في ذلك، فلا وجه للتفاخر في النسب؛ ويجوز أن يكون تقريرا للأخوة المانعة عن الاغتياب. قال الغزالي في قوله تعالى: ﴾يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴿ : »أي: تفاوت في أنسابكم، لاجتماعكم على أصل واحد، ثم ذكر فائدة النسب فقال: ﴾وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴿ ، ثم بين أن الشرف بالتقوى لا بالنسب فقال: ﴾إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ{ ولما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ من أكيس الناس؟ لم يقل: من ينتمي إلى نسبي، ولكن قال: " أكثرهم للموت ذكرا، أو أشدهم له استعدادا" «.
}وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴿ الشعب: الجمع العظيم، المنسوبون إلى أصل واحد، وهو يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، وعباس فضيلة؛ وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب، ﴾لِتَعَارَفُوا﴿ ليعرف بعضكم بعضا، لا للتفاخر بالآباء والقبائل، وتدعوا التفاوت والتفاضل؛ ثم بين سبحانه الخصلة التي بها يكتسب الإنسان الكرم والشرف عند الله فقال: ﴾إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴿ فإن التقوى بها تكمل النفوس وتتفاضل الأشخاص، فمن أراد شرفا فليتمس منها كما قال عليه السلام فيما يروى عنه: »من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله«. »يا أيها الناس، إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله« ؛ قيل في هذه الآية: »أكرم الكرم التقوى« ؛ »وقيل: قال رسول الله : الحسب: المال، والكرم: التقوى«. ﴾إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴿ بكم ﴾خَبِيرٌ (13){ .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٢٥
قوله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ . تفسير الحسن : الشعوب بنو الأب ، والقبائل فوق ذلك . وربما اتفق الاسمان واختلفت القبيلتان فعرف الرجل .
وتفسير مجاهد : الشعوب : النسب البعيد ، والقبائل دون ذلك .
( لِتَعَارَفُوا ) أي : إن فلاناً ابن فلان من كذا وكذا . وتفسير الكلبي : القبائل المرتفعة الناس : تميم ، وبكر ، وأسد ، وقيس؛ والقبائل دون ذلك ، نحو نهشل وبني عبد الله بن حازم ، ونحو ذلك . ( لِتَعَارَفُوا ) : أي : بالشعوب والقبائل .
وبعضهم يقول : الشعوب : الأجناس ، والقبائل قبائل العرب .
قال تعالى : ( لِتَعَارَفُوا ) . ثم انقطع الكلام ، ثم قال : ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ .
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الكرم التقوى والحسب المال » .
ذكرو الحسن أن أبا ذر كان بينه وبين رجل كلام ، قال : وكانت له أمٌّ إذا ذكرت لم يشاتم ، فذكرها أبو ذر ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « يا أبا ذر ، أعبت فلاناً بأمه ، انظر إلى من حولك من أبيض وأحمر وأسود ، فما لك على أحد منهم فضل إلا أن تفضله بتقوى الله » .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٢٥
﴿ يا أيُّها النَّاسُ إنَّا خلقْناكم مِن ذكرٍ وأنْثَى ﴾ آدم وحواء ، فأنتم سواء ، فكيف يغتاب بعضكم بعضا؟ والمغتاب يريد باغتيابه الترفع على المغتاب ، وكيف يترفع عليه وهما أخوان فى الدين؟ وكيف يظن السوء فيه ولا يأخذ حذره عن الظن؟ وكيف يلمزه؟ وكيف يسخر منه :
الناس من قبل التمثيل أكفاء … أبوهم آدم والأم حوَّاء
ومعظم تعلق الآية هو قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ﴾ فما مر أولى من قول بعض : الذكر والأنثى أبو كل انسان وأمه ، ووجه هذا القول أنكم كلكم قد ولدتكم رجال ونساء ، فما وجه الفخر ، وقد استويتم ، وانما يعتبر التقوى .
﴿ وجَعَلْناكم شعُوبا ﴾ العب بفتح فاسكان الجمع العظيم ، المنتسبون الى أصل واحد جامع للقبائل ، سميت كأن القبائل تشعبت منها ، فهم رءوس القبائل كربيعة ومضر ، والأوس والخزرج أسماء لآباء القبائل ، وقيل : سموا لتجمعهم ، وهو من الأضداد .
﴿ وقبائل ﴾ القبيلة تجمع العمائر ، والعمارة بفتح وكسر البطون ، والبطن الأفخاذ ، والفخذ الفصائل فخزيمة شعب ، وكنانة قبيلة وقريش عمارة ، وقصى بطن ، وهاشم فخذ ، والعباس فصيلة ، وذلك قول الجمهور ، وعبارة بعضهم : القبائل دون الشعوب ، كبكر من ربيعة ، وتميم من مضر ، ودون القبائل العمائر ، كشيبان من بكر ، ودارم من تميم ، ودون العمائر البطون ، كبنى غالب ولؤى من قريش ، ودون البطون الأفخاذ ، كبنى هاشم وبنى أمية من لؤى ، ودون الأفخاذ الفصائل ، كبنى العباس من بنى هاشم ، وبعد ذلك العمائر ، وليس بعد العشيرة شىء بوصف .
وعن الكلبى : الشعب ، فالقبيلة ، فالفصيلة ، فالعمارة ، فالفخذ ، وقيل : الشعوب فى العجم ، والقبائل فى العرب ، والأسباط فى بنى اسرئيل ، قال مسروق : أسلم رجل من الشعب ، فكانت تؤخذ منه الجزية ، وقيل : الشعوب عرب اليمن من قحطان ، والقبائل ربيعة ومضر وسائر عدنان ، وقال قتادة ومجاهد والضحاك : الشعب النسب الأبعد ، والقبيلة الأقرب ، وقيل : الشعوب الموالى ، والقبائل العرب ، وقيل : الشعوب المنتسبون الى المدائن والقرى ، والقبائل العرب الذى ينتسبون الى آبائهم .
﴿ لِتَعَارفُوا ﴾ ليعرف بعضكم بعضا ، فتصلوا الأرحام والتوارث والنفقة ، لا لتتفاخروا بالآباء والقبائل ، والأصل لتتعارفوا فحذفت احدى التاءين ، كما قرأ الأعمش بالتاءين ، وكما قرأ ابن كثر بشد التاء لادغام احداهما فى الأخرى ﴿ إنَّ أكْرمكُم عنْد الله أتقاكم ﴾ تعليل جملى ، كما قرأ ابن عباس : لتعرفوا أن أكرمكم بتاء واحدة ، واسقاط الألف ، وكسر الراء وفتح همزة ان ، وصح تعليل جعلناكم بالتارف ، لأن المراد جعلناكم شعوبا وقبائل ليعرف بعضكم بعضا لا للتفاخر ، لان أكرمكم عند الله أتقاكم ، لا افضلكم نسبا ، وكأنه قيل : لم لا نتفاخر بالأنساب؟ فقيل : لأن أكرمكم ولو جاز التفاخر لجاز التفاخر بالتقوى ، وقد يجوز ترفعا على المشركين وعلى طريق الشكر لفرض صحيح شريعا وتبيينا لكون المعتبر التقوى ، ويقال : المتقى العالم بالله تعالى المواظب على الوقوف ببابه ، المتقرب الى جنابه ، وقيلك المتقى مجتنب المناهى الآتى بالأوامر والفضائل ، السريع التوبة عما صدر منه اذا صدر ، وعلى قراءة ابن عباس لتعرفوا ان بكسر الهمزة يكون المعنى لتعرفوا ما تحتاجون من الصلة والارث وغير ذلك ، أو لتعرفوا الحق وهو شرف التقوى ، ﴿ إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وعلى قراءة لتعرفو أن بالفتح يكون المعنى على التعليل ، أو الأمر أن يعرفوا أن الأكرم عند الله الأتقى ، فتكون اللام للأمر والمفعول هو المصدر مما بعد .
تقدمت قصة ثابت بن قيس بن شماس ، وقوله لمن لمن يتزحزح له : انك ابن بنت فلانة ، ولما قال له ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من القائل فلانة؟ » فقال : أنا يا رسول الله ، قال : « انظر فى وجوه القوم » فنظر فقال : ما رأيت يا خافت قال : رايت أبيض وأحمر وأسود قال : « فانك لا تفضلهم الا بالتقوى » ونزل فيه : « ان أكرمكم عند الله أتقاكم » ونزل فى الذى لم يفسح : ﴿ اذا قيل لكم تفسحوا ﴾ الآية .
وعن ابن عم : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه ، أى بعص معوجة الرأس ، ولما فرغ لما يجد مناخا فنزل على أيدى الرجال ، ثم قالم فخطبهم فحمد الله واثنى عليه وقل : « الحمد لله الذى أذهب عنكم عيبة الجاهلية- يعنى فنحرها- واذهب تكبرها ، يا أيها الناس ان الناس رجلان بر تقى كريم على الله ، وفاجر شقى هين على الله عز وجل ، ثم تلا : » يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى « ثم قال اقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم » وعن يزيد بن شجرة : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سوق المدينة فرأى غلاما أسود يقول : من اشترانى فعلى شرط أن لا يمنعنى من الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراه بعض فمرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات وحضر دفنه ، فقيل فى ذلك فنزلت ، قلت : لعلها نزلت فى جيمع ما ذكروا ، أو نزلت فى بعضها ، ثم يقال : نزلت فى كذا بمعنى أنها شاملة له بالمعنى .
﴿ إنَّ الله عَليمٌ ﴾ بكم وبأعمالكم ﴿ خبيرٌ ﴾ تبواطن أحوالكم وباعتقادكم ، أذن بلال رحمه الله عز وجل على الكعبة فأغضب الحارث ابن هشام ، وعتاب بن أسيد وقالا : أهذا العبد يؤذن على الكعبة فنزلت : ﴿ يا أيها النَّاس انا خلقناكم ﴾ الآية ، ولما أذن بلال على الكعبة قال عتاب بن أسيد بن العيص : الحمد لله الذى قبض أبى ولم ير هذا اليوم ، وقال الحارث بن هشام : أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟ وقال سهل بن عمرو : ان كره الله نبيا يغيره ، قال أبو سفيان : انى لا أقول شيئا أخاف أن يخبره رب السماء ، فنزل جبريل فأخبره رسول صلى الله عليه وسلم بما قالوا ، فسألهم فاقروا ، نزلت الآية .
ويروى انه صلى الله عليه وسلم أمر بنى بياضة أن يزوجوا أبا هند ، وكان مولى حجاما ، وكن يحجم النبى صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله أتزوج بناتنا موالينا ، فنزلت الآية ، وقال : « أنحكوه وأنكحوا اليه » وقال فى خطبته فى حجر الوداع وغيرها : « الحمد لله الذى أذهب تكبر الجاهلية وافتخارها بآبائها ، الناس بر وفاجر ، أبوهم آدم وآدم من تراب ، لا فضل لأحد على آخر الا بالتقوى ، قال الله تعالى : ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم ﴾ الى قوله تعالى : ﴿ خبير ﴾ وربكم واحد ، اذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه ، ولينتهين أقوام يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهو على الله من الجعلان » وقال فى آخر الخطبة : « ألا هل بلغت؟ » قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : « فليبلغ الشاهد الغائب » وقال صلى الله عليه وسلم : « يقول الله تعالى يوم والقيامة : يا أيها الناس إنى جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم الا ان تقولا فلان ابن فلان ، وفلان أكم من فلان ، وانى اليوم أرفع نسبى وأضع نسبكم ألا إن أوليائى المتقون » .
ولا يخفى أن النسب الحسن حسن ومعتبر ان قارنته التقوى ، قال صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن اشرف العرب : « خيراكم فى الجاهلية خياركم فى الاسلام اذا فقهوا » وأكرم الكرم التقوى ، وألأم اللؤم الفخور ، عن ابن عباس : كرم الدنيا الغنى ، وكرم الآخرة التقوى ، وفى الترمذى ، عن سمرة بن جندب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحسب المال والكرم التقوى » وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اكرم الناس قال : « أكرمكم أتقاكم » فقالوا : لم نسألك عن هذا؟ قال : « فأكرم الناس يوسف نبى الله بن بنى الله ابن نبى الله بن خليل الله » قالوا : لم نسألك عن هذا؟ قال : « فعن معادن العرب تسألون؟ » قالوا : نعم قال : « فخيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الاسلام إذا فقهوا » أى عملوا بالشرع ، رواه البخارى ومسلم ، والتخيير فى الجاهلية انما هو بالنسب مع خصال الخير ، كالجود والسمع والشجاعة والصبر ، ولا عبرة بشرف نسب بلا تقوى ، ولو كان قد يعتبر فى شأن كخصلة ، كما ذكروا ان الفرس أشرف من النبط ، أى فى خصال ونسب ، وبنى اسرائيل أشرف من القبط أى فى النسب والدين .
وعنه صلى الله عليه وسلم : « إن الله اصطفى كنانة من أولاد اسماعي ، وقريشا من كنانة ، وبنى هاشم من قريش ، وأبى من بنى هاشم ، واياى من أبى » وليس العرب مطلقا أفضل من العجم ، بل المراد المجموع ، وأشرف العرب نسبا أولاد فاطمة رضى الله عنها ، للنبى صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم :
« كل الأنساب يوم القيامة تنقطع إلا نسبى وصهرى » وقال : « لا ينفع نسبى من لم يعمل بما جئت به » ومن يفتخر بالنسب اليه صلى الله عليه وسلم وفسق فقد دنس انتسابه بفسقه ، وافتخار الفاسق بنسبه ، كافتخار الكوسج بلحية أخيه ، ويجب على ذى الانتساب إليه صلى الله عليه وسلم التحرج عن المعاصى أكثر مما يجب على غيره ، فيكون كمن زاد على الزبد شهدا ، والحسنة فى نفسها حسنة ، وهى من بيت النبوة أحسن ، والسيئة فى نفسها سيئة ، وهى من أهل بيت النبوة أسوأ ، ولا يجب أن يكون الامام من كنانة أو أقرب ، نعم هم ان وجدت الكفاية .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٢٥