تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الحجرات

الجزء الحجرات · صفحة ٠
[سورة الحجرات — آية 13]

﴿ يا أيُّها النَّاسُ إنَّا خلقْناكم مِن ذكرٍ وأنْثَى ﴾ آدم وحواء ، فأنتم سواء ، فكيف يغتاب بعضكم بعضا؟ والمغتاب يريد باغتيابه الترفع على المغتاب ، وكيف يترفع عليه وهما أخوان فى الدين؟ وكيف يظن السوء فيه ولا يأخذ حذره عن الظن؟ وكيف يلمزه؟ وكيف يسخر منه :

الناس من قبل التمثيل أكفاء … أبوهم آدم والأم حوَّاء

ومعظم تعلق الآية هو قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ﴾ فما مر أولى من قول بعض : الذكر والأنثى أبو كل انسان وأمه ، ووجه هذا القول أنكم كلكم قد ولدتكم رجال ونساء ، فما وجه الفخر ، وقد استويتم ، وانما يعتبر التقوى .

﴿ وجَعَلْناكم شعُوبا ﴾ العب بفتح فاسكان الجمع العظيم ، المنتسبون الى أصل واحد جامع للقبائل ، سميت كأن القبائل تشعبت منها ، فهم رءوس القبائل كربيعة ومضر ، والأوس والخزرج أسماء لآباء القبائل ، وقيل : سموا لتجمعهم ، وهو من الأضداد .

﴿ وقبائل ﴾ القبيلة تجمع العمائر ، والعمارة بفتح وكسر البطون ، والبطن الأفخاذ ، والفخذ الفصائل فخزيمة شعب ، وكنانة قبيلة وقريش عمارة ، وقصى بطن ، وهاشم فخذ ، والعباس فصيلة ، وذلك قول الجمهور ، وعبارة بعضهم : القبائل دون الشعوب ، كبكر من ربيعة ، وتميم من مضر ، ودون القبائل العمائر ، كشيبان من بكر ، ودارم من تميم ، ودون العمائر البطون ، كبنى غالب ولؤى من قريش ، ودون البطون الأفخاذ ، كبنى هاشم وبنى أمية من لؤى ، ودون الأفخاذ الفصائل ، كبنى العباس من بنى هاشم ، وبعد ذلك العمائر ، وليس بعد العشيرة شىء بوصف .

وعن الكلبى : الشعب ، فالقبيلة ، فالفصيلة ، فالعمارة ، فالفخذ ، وقيل : الشعوب فى العجم ، والقبائل فى العرب ، والأسباط فى بنى اسرئيل ، قال مسروق : أسلم رجل من الشعب ، فكانت تؤخذ منه الجزية ، وقيل : الشعوب عرب اليمن من قحطان ، والقبائل ربيعة ومضر وسائر عدنان ، وقال قتادة ومجاهد والضحاك : الشعب النسب الأبعد ، والقبيلة الأقرب ، وقيل : الشعوب الموالى ، والقبائل العرب ، وقيل : الشعوب المنتسبون الى المدائن والقرى ، والقبائل العرب الذى ينتسبون الى آبائهم .

﴿ لِتَعَارفُوا ﴾ ليعرف بعضكم بعضا ، فتصلوا الأرحام والتوارث والنفقة ، لا لتتفاخروا بالآباء والقبائل ، والأصل لتتعارفوا فحذفت احدى التاءين ، كما قرأ الأعمش بالتاءين ، وكما قرأ ابن كثر بشد التاء لادغام احداهما فى الأخرى ﴿ إنَّ أكْرمكُم عنْد الله أتقاكم ﴾ تعليل جملى ، كما قرأ ابن عباس : لتعرفوا أن أكرمكم بتاء واحدة ، واسقاط الألف ، وكسر الراء وفتح همزة ان ، وصح تعليل جعلناكم بالتارف ، لأن المراد جعلناكم شعوبا وقبائل ليعرف بعضكم بعضا لا للتفاخر ، لان أكرمكم عند الله أتقاكم ، لا افضلكم نسبا ، وكأنه قيل : لم لا نتفاخر بالأنساب؟ فقيل : لأن أكرمكم ولو جاز التفاخر لجاز التفاخر بالتقوى ، وقد يجوز ترفعا على المشركين وعلى طريق الشكر لفرض صحيح شريعا وتبيينا لكون المعتبر التقوى ، ويقال : المتقى العالم بالله تعالى المواظب على الوقوف ببابه ، المتقرب الى جنابه ، وقيلك المتقى مجتنب المناهى الآتى بالأوامر والفضائل ، السريع التوبة عما صدر منه اذا صدر ، وعلى قراءة ابن عباس لتعرفوا ان بكسر الهمزة يكون المعنى لتعرفوا ما تحتاجون من الصلة والارث وغير ذلك ، أو لتعرفوا الحق وهو شرف التقوى ، ﴿ إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وعلى قراءة لتعرفو أن بالفتح يكون المعنى على التعليل ، أو الأمر أن يعرفوا أن الأكرم عند الله الأتقى ، فتكون اللام للأمر والمفعول هو المصدر مما بعد .

تقدمت قصة ثابت بن قيس بن شماس ، وقوله لمن لمن يتزحزح له : انك ابن بنت فلانة ، ولما قال له ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من القائل فلانة؟ » فقال : أنا يا رسول الله ، قال : « انظر فى وجوه القوم » فنظر فقال : ما رأيت يا خافت قال : رايت أبيض وأحمر وأسود قال : « فانك لا تفضلهم الا بالتقوى » ونزل فيه : « ان أكرمكم عند الله أتقاكم » ونزل فى الذى لم يفسح : ﴿ اذا قيل لكم تفسحوا ﴾ الآية .

وعن ابن عم : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه ، أى بعص معوجة الرأس ، ولما فرغ لما يجد مناخا فنزل على أيدى الرجال ، ثم قالم فخطبهم فحمد الله واثنى عليه وقل : « الحمد لله الذى أذهب عنكم عيبة الجاهلية- يعنى فنحرها- واذهب تكبرها ، يا أيها الناس ان الناس رجلان بر تقى كريم على الله ، وفاجر شقى هين على الله عز وجل ، ثم تلا : » يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى « ثم قال اقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم » وعن يزيد بن شجرة : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سوق المدينة فرأى غلاما أسود يقول : من اشترانى فعلى شرط أن لا يمنعنى من الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراه بعض فمرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات وحضر دفنه ، فقيل فى ذلك فنزلت ، قلت : لعلها نزلت فى جيمع ما ذكروا ، أو نزلت فى بعضها ، ثم يقال : نزلت فى كذا بمعنى أنها شاملة له بالمعنى .

﴿ إنَّ الله عَليمٌ ﴾ بكم وبأعمالكم ﴿ خبيرٌ ﴾ تبواطن أحوالكم وباعتقادكم ، أذن بلال رحمه الله عز وجل على الكعبة فأغضب الحارث ابن هشام ، وعتاب بن أسيد وقالا : أهذا العبد يؤذن على الكعبة فنزلت : ﴿ يا أيها النَّاس انا خلقناكم ﴾ الآية ، ولما أذن بلال على الكعبة قال عتاب بن أسيد بن العيص : الحمد لله الذى قبض أبى ولم ير هذا اليوم ، وقال الحارث بن هشام : أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟ وقال سهل بن عمرو : ان كره الله نبيا يغيره ، قال أبو سفيان : انى لا أقول شيئا أخاف أن يخبره رب السماء ، فنزل جبريل فأخبره رسول صلى الله عليه وسلم بما قالوا ، فسألهم فاقروا ، نزلت الآية .

ويروى انه صلى الله عليه وسلم أمر بنى بياضة أن يزوجوا أبا هند ، وكان مولى حجاما ، وكن يحجم النبى صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله أتزوج بناتنا موالينا ، فنزلت الآية ، وقال : « أنحكوه وأنكحوا اليه » وقال فى خطبته فى حجر الوداع وغيرها : « الحمد لله الذى أذهب تكبر الجاهلية وافتخارها بآبائها ، الناس بر وفاجر ، أبوهم آدم وآدم من تراب ، لا فضل لأحد على آخر الا بالتقوى ، قال الله تعالى : ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم ﴾ الى قوله تعالى : ﴿ خبير ﴾ وربكم واحد ، اذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه ، ولينتهين أقوام يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهو على الله من الجعلان » وقال فى آخر الخطبة : « ألا هل بلغت؟ » قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : « فليبلغ الشاهد الغائب » وقال صلى الله عليه وسلم : « يقول الله تعالى يوم والقيامة : يا أيها الناس إنى جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم الا ان تقولا فلان ابن فلان ، وفلان أكم من فلان ، وانى اليوم أرفع نسبى وأضع نسبكم ألا إن أوليائى المتقون » .

ولا يخفى أن النسب الحسن حسن ومعتبر ان قارنته التقوى ، قال صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن اشرف العرب : « خيراكم فى الجاهلية خياركم فى الاسلام اذا فقهوا » وأكرم الكرم التقوى ، وألأم اللؤم الفخور ، عن ابن عباس : كرم الدنيا الغنى ، وكرم الآخرة التقوى ، وفى الترمذى ، عن سمرة بن جندب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحسب المال والكرم التقوى » وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اكرم الناس قال : « أكرمكم أتقاكم » فقالوا : لم نسألك عن هذا؟ قال : « فأكرم الناس يوسف نبى الله بن بنى الله ابن نبى الله بن خليل الله » قالوا : لم نسألك عن هذا؟ قال : « فعن معادن العرب تسألون؟ » قالوا : نعم قال : « فخيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الاسلام إذا فقهوا » أى عملوا بالشرع ، رواه البخارى ومسلم ، والتخيير فى الجاهلية انما هو بالنسب مع خصال الخير ، كالجود والسمع والشجاعة والصبر ، ولا عبرة بشرف نسب بلا تقوى ، ولو كان قد يعتبر فى شأن كخصلة ، كما ذكروا ان الفرس أشرف من النبط ، أى فى خصال ونسب ، وبنى اسرائيل أشرف من القبط أى فى النسب والدين .

وعنه صلى الله عليه وسلم : « إن الله اصطفى كنانة من أولاد اسماعي ، وقريشا من كنانة ، وبنى هاشم من قريش ، وأبى من بنى هاشم ، واياى من أبى » وليس العرب مطلقا أفضل من العجم ، بل المراد المجموع ، وأشرف العرب نسبا أولاد فاطمة رضى الله عنها ، للنبى صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم :

« كل الأنساب يوم القيامة تنقطع إلا نسبى وصهرى » وقال : « لا ينفع نسبى من لم يعمل بما جئت به » ومن يفتخر بالنسب اليه صلى الله عليه وسلم وفسق فقد دنس انتسابه بفسقه ، وافتخار الفاسق بنسبه ، كافتخار الكوسج بلحية أخيه ، ويجب على ذى الانتساب إليه صلى الله عليه وسلم التحرج عن المعاصى أكثر مما يجب على غيره ، فيكون كمن زاد على الزبد شهدا ، والحسنة فى نفسها حسنة ، وهى من بيت النبوة أحسن ، والسيئة فى نفسها سيئة ، وهى من أهل بيت النبوة أسوأ ، ولا يجب أن يكون الامام من كنانة أو أقرب ، نعم هم ان وجدت الكفاية .

٤٬٦٢٥ / ٦٬٢٣٦