سورة الحجرات · الآية ١٤ من ١٨

‹ السورة السابقة
قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُوا۟ وَلَٰكِن قُولُوۤا۟ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا یَدۡخُلِ ٱلۡإِیمَٰنُ فِی قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا یَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَیۡءًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ١٤
الرسم الإملائيّ

قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

الجزء ٢٦الربع ٢٠٧ صفحة ٥١٧

تفسيرها

[سورة الحجرات — آية 14]

}قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴿ إذ الإيمان: تصديق مع ثقة واطمئنانية قلب، ولم يحصل لكم؛ وقيل عن الزهري أنه قال:»إن الإسلام كلمة، والإيمان عمل«، ﴾وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴿ فإن الإسلام الدخول في السلم، والخروج من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين، ألا ترى إلى قوله: ﴾وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴿ وضع قوله: ﴾لم تُؤمنوا﴿ موضع كذبتهم، بدلالة قوله في صفة المخلصين: ﴾أولئك هُمُ الصادقون﴿ تعريضا بأن هؤلاء هم الكاذبون؛ ﴾ولكن قولوا أسلمنا﴿ ولم يقل: أسلمتم ليكون خارجا مخرج الزعم والدعوى، كما كان قولهم: »آمنا« تفسيرا ؛ ﴾لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴿ لا ينقصـكم من أجورها ﴾شَيْئًا﴿ من لات ليتا: إذ نقص، كقوله: ﴾وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّن عَمَلِهم من شيءٍ﴿ ومعناهما واحد، ﴾إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴿ لمن فرط منه ما نهى عنه وتـاب، ﴾رَحِيمٌ (14){ بالتفضل عليهم. ثم بين حقيقة الإيمان، فقال:

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٢٦

[سورة الحجرات — آية 14]

قوله عز وجل : ﴿ قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ يعني المنافقين من الأعراب . قال مجاهد : أعراب بني أسد بن خزيمة . قال الله عز وجل : ﴿ قُل ﴾ يا محمد ﴿ لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ أي : أقررنا .

قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ أي : الإيمان بما أقررتم به من الأعمال التي لا يكون الإيمان إلا بها . أي : إن الإيمان قول وعمل . فلا يكونون مؤمنين حتى يستكملوها . قال : ﴿ وَإِن تُطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ ﴾ أي في كل ما تعبدكم به ، أي من قول وعمل فتستكملوا فرائضه في القول والعمل ﴿ لاَ يَلِتْكُم ﴾ أي لا ينقصكم ﴿ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ ﴾ التي هي إيمان وإسلام ﴿ شَيْئًا إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٢٦

[سورة الحجرات — آية 14]

﴿ قالَتِ الأعْرابُ ﴾ الجنس العهود له صلى الله عليه وسلم ذهنا لا كلهم ، وهم عرب البدو ، والمرا بنو أسد بن خزيمة قرب المدينة ، أظهروا الايمان وأفسدوا طرقها بالعذرات ، وأغلوا أسعارها ، وغرضهم المغانم ، قدموا فى سنة جدبة وقالوا : جئناك بالأثقال والعيال والذرارى ، ولم نقاتلك كالناسن كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان ، يمنُّون عليك أن أسلموا ، ويقولون أعطنا يا رسول الله ، أو مزينة وأشجع وغفار وأسلم وجيهنة قالوا : آمنا واستحققنا الكرامة ، يقولون آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم ، وتخلفوا عن الحديبية ، وهم المذكورون فى سورة الفتح .

﴿ آمنَّا ﴾ أى صدقنا بألسنتنا وقلوبنا ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد لهم ﴿ لَم تُؤمنُوا ﴾ لم توحدوا الله تعالى توحيدا محققا فى قلوبكم ، ولم تؤمنوا كذلك برسالتى ﴿ ولكن قُولُوا أسْلَمنا ﴾ ادعنا لأحكامك أن تنفذ فينا ، ومقتضى الظاهر أن يقال : ولكن أسلمتم ، أو لا تقولوا آمنَّا ولكن قوله أسلمنا ، ليتجاوب الكلام ، ولم يقل ذلك ، والله أعلم ، لأن الكلام لتوبيخهم على منهم بالايمان ، مع خلوهم عنه ، فجمعوا الكذب والمنَّة بما هو كذب ، والأصل فى الارشاد الى جوابهم كذبتم ، ولكن ما أراد مواجهتهم بالكذب لستن من بعده بعدمها ، فذلك تعليم له صلى الله عليه وسلم ولأمته الأدب ، وتعرض لكذبهم فى قوله تعالى : ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ وأيضا لم تؤمنوا أظهر فى التكذيب من أن يقال لا تقولوا آمنا ، ولو قيل : ولكن أسلمتم لم يفد قوله : ﴿ قولوا أسلمنا ﴾ من أنه كأنه قيل : قل لم تؤمنوا فلا تكذبوا ، ولكن قولوا أسلمنا ليحصل لكم الصدق ولو فاتكم التصديق ، ولو قيل : ولكن أسلمتم لأوهم أن قولهم معتد به ، وهذا فى البلاغر أدخل من دعوى الاحتباك ، هكذا لم تؤمنوا ، فلا تقولوا آمنا ، ولكن أسلمتم فقولوا أسلمنا .

﴿ ولمَّا يدخُل الإيمان فى قلوبكُم ﴾ حال من واو قولوا ، أو عطف على لم تؤمنوا لم يدخل الايمان فى قلوبكم الى الآن ، وسيدخل ان شاء الله ﴿ وإنْ تُطيعُوا الله ورسُوله ﴾ بالاخلاص ﴿ لا يَلِتْكُم ﴾ لا ينقصكم ﴿ مِن أعمالكم شَيْئا ﴾ مفعول مطلق أى ليتاً ، أو مفعول به ، أى أجرا من أجوركم ، قالت أم هشام السلولية : الحمد لله الذى لا يفات ولا يلات ، ولا تصمه الأصوات ﴿ إنَّ الله غفُورٌ ﴾ لمن تاب بما صدر منه ﴿ رحيمٌ ﴾ له بالجنة .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٢٦