تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة المائدة

الجزء المائدة · صفحة ٠
[سورة المائدة — آية 13]

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ ﴾ ما صلة للتأْكيد أو نكرة تامة للتعظيم فبنقضهم بدلها والباءِ متعلق بلعن ﴿ ميِثَاقَهُمْ ﴾ عهدهم لله أَن لا يخالفوه وذلك أَنهم كذبوا الرسل بعد موسى وقتلوا الأَنبياءَ وغيروا التوراة وضيعوا الفرائض وكتموا صفات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . ﴿ لَعَنَّاهُمْ ﴾ أَبعدناهم عنا عقاباً بإِدخال النار والمسخ قردة وخنازير وضرب الجزية ، فاللعن بمعنى التحقير المطلق فشمل ذلك ، أَو من عموم المجاز فإِنه حقيقة فى الإِبعاد والإِبعاد ظاهر فى المسخ وقد فسره الحسن ومقاتل به ، وابن عباس بالجزية وعطاء بمطلق الإِبعاد عن الرحمة ﴿ وَجعَلْنَا ﴾ به أَى بالنقض وحذف للعلم به لا على التنازع لتقدم المعمول ﴿ قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ ممتنعة عن الإِيمان كما لا يتأَثر نحو الحجر بالغمز ، وفى ذلك تلويح إلى تشبيهها بما ليس فيه لين الذهب والفضة كالنحاس يقال درهم قسى أَى زيف فضته صلبة رديئة ليست لينة والمغشوش فيه يبس وصلابة ، وفسر الجعل بترك التوفيق وليست موفقه ثم سلب توفيقها ، بل كقولك أَفسدت سيفك إِذا لم يحدث له فساد ولكن ترك معاهدته بالصقل ، وكقولك جعلت أَظفارك ءلاحك إِذا لم بقصها ﴿ يُحَرِّفُون الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ هذا بعض ما تضمنه قسوة القلب بل هو أَشده فإِن محرف كلام الله مشرك كاثم ماح لدين الله ألبته كاذب عن الله عز وجل ، والكلام بعض التوراة غيروا ما فيها من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها بالمحو تارة وبتبديلها بضدها أخرى ، وبتفسير بغير معناها ، والمواضع معانيها ومحالها من التوراة التى وضعها الله عليها ، والمضارع لحكاية الحال أَو للتجدد ف‘ِنهم يحرفون أَيضاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله عز وجل ﴿ ولا تزال تطلع ﴾ الخ ﴿ وَنَسَوُا ﴾ تركوا وحقيقته فى الزوال عن الحافظة ، وذلك مبالغة لأَن الذهاب عن الحافظة أَشد إِهمالا مما حضر فيها وأعرض عنه . ﴿ حَظًّا ﴾ نصيبا عظيماً مما أمروا به فيها وهو صفاته على الله عليه وسلم والإِيمان به وغير ذلك ﴿ مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ أمروا به أَمراً يزيل الإِعراض والكسل لمن وفق ، ويجوز إِبقاءِ النسيان على حقيقته فإِنهم لما حرفوا التوراة زال منها عن حفظهم أَشياء منها لا يعرفونها مع أَنها فيها ، ولزوال أَسفار منها وفنائها بشؤم الحريف . قال ابن مسعود رضى الله عنه : قد ينسى الرءُ بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية . وقال الشافعى :

شكوت إِلى وكيع سوء حفظى … فأَرشدنى إِلى ترك المعاصى

وقال اعلم بأَن العلم نور … ونور الله لا يعطى لعاصى

﴿ وَلاَ تَزَالُ ﴾ يا محمد ﴿ تطَّلِعُ ﴾ تظهر ﴿ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ﴾ على خيانة ، من المصادر التى على وزن فاعلة كما هو وجه فى لاغية وعاقبة وعافية ، أَو على طائفة خائنة اسم فاعل والتاء للتأْنيث ، أَو على إِنسان خائنة أَى كثير الخيانة أَو عظيمها فهو اسم فاعل والتاء للمبالغة كما يقال فلان راوية أَى كثير الرواية ، أَو فعله خائنة أَى ذات خيانة أَو نفس خائنة ، ومن خيانتهم نقض الميثاق ومظاهرتهم قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب جهراً ويوم أُحد سرًا ﴿ إِلاَّ قلِيلاً ﴾ كعبد الله بن سلام ﴿ مِنْهُمْ ﴾ استثناء من الهاء فى منهم أَى إِلا قليلا لا نجد منهم خيانة وهذا واضح ، أَو إِلا قليلا لا نجد منهم طائفة خائنة ، فإِن صح هذا فقبيلة عبد الله بن سلام لا طائفة فيهم خائنة ولو بقوا على الكفر ، وأما على تفسير خائنة بإِنسان كثير الخيانة أَو ما بعده فالاستثناء منقطع ، أَو من هاء قلوبهم أَو واو يحرفون .

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ لا تعاقبهم ﴿ واصْفَحْ ﴾ لا تعاتبهم فقد بلغت إِليهم وأَمرتهم ونهيتهم ، وذلك إِن تابوا وعاهدوا بالجزية وإِلا فلا تعف ولا تصفح بل اقتلهم واذممهم ، أَو اعف واصفح فى حق نفسك واقتلهم ومهم لحق الله فهو صلى الله عليه وسلم لا يأْخذ حقه لنفسه أَلا ترى أَنه عفا عمن سفه عليه ، وفيها أَبحاث ضمنتها شرح نونية المديح ، ويقال : لهذا نهى عن قتالهم ونسخ بآية السيف ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ وقيل الهاء للقليل وقيل الآية على ظاهرها إِلا أَنه نسخت بقوله تعالى : فإِما تخافن من قوم خيانة فانبذ إِليهم على سواء ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ فى حق الكفرة فكيف فى حق المؤمنين .

٦٨٢ / ٦٬٢٣٦