سورة ق · الآية ١٨ من ٤٥

‹ السورة السابقة
مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ١٨
الرسم الإملائيّ

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

الجزء ٢٦الربع ٢٠٧ صفحة ٥١٩

تفسيرها

[سورة ق — آية 18]

}إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴿ مقدر بـ»اذكر« ، أو متعلق بـ»أقرب«، أي: هو أعلم بحاله من كل قريب حتى يتلقى، أي: يتلقن الحفيظان ما يتلفظ به؛ وفيه إيذان بأنه غني عن استحفاظ الملكين، فإنه أعلم منهما؛ أو مطلع على ما يخفى عليهما، لكنه لحكمة اقتضته، وهي ما فيه من تشديد يثبط العبد عن المعصية، وتأكيد في اعتبار الأعمال وضبطها للجزاء، وإلزام الحجة يوم يقوم الأشهاد، ﴾عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17)﴿ أي: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد؛ أي: مقاعد. ﴾مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴿ ما يرمى به من فيه ﴾إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴿ ملك يرقب عمله. قال أبو سعيد: »معي أنه في قوله: ﴾رقيبٌ عتيدٌ﴿ شهيد حفيظ«، ﴾عَتِيدٌ (18){ حاضر، و (لعله) يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٤٨

[سورة ق — آية 18]

﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ ﴾ أي : عنده ﴿ رَقِيبٌ ﴾ أي حفيظ ﴿ عَتِيدٌ ﴾ أي : حاضر يكتب كل ما يلفظ به . قال مجاهد : حتى أنينه .

وتفسير الكلبي : إنه تعرض الأعمال ، فما لم يكن فيه خير ولا شر محي ولم يثبت؛ وذلك يوم اثنين وخميس ، فيهما ترفع الأعمال .

وذكر بعضهم قال : أمر صاحب الشمال أن يكتب ما لا يكتب صاحب اليمين . وقال بعضهم : ما خطا عبد خطوة إلا كتبت له حسنة أو سيئة . قال : وبلغنا أن صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال ، فلا يكتب صاحب الشمال حتى يأمره صاحب اليمين .

ذكروا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الملائكة قالت : ربِ ذلك عبدك يريد أن يعمل سيئة وأنت أعلم وأبصر؛ فيقول : ارقبوا عبدي ، فإن عملها فأثبتوا عليه بمثلها ، وإن تركها فاكتبوها له حسنة ، فإنما تركها من خشيتي » .

وقال الحسن : الحفظة أربعة : يتعاقبان ملكان بالليل وملكان بالنهار ، وتجتمع هذه الأملاك الأربعة عند صلاة الفجر ، وهو قوله : ﴿ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ [ الإسراء : 78 ] .

ذكروا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، فيجتمعون عند صلاة الفجر وعند صلاة العصر فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون » .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٤٨

[سورة ق — آية 18]

﴿ ما يلْفِظُ مِن قَولٍ ﴾ مما له ثواب أو عقاب فقط عند ابن عباس ﴿ إلا لَديه رقيبٌ ﴾ ملك مراقب يكتبه ، ويكتب أيضا حسنات الأطفال ، وقد قيل : ان الأطفال مأمورون أمر ندب ، صاحب اليمنى يكتب الحسنات ، وصاحب الشمال يكتب السيئات ﴿ عَتيدٌ ﴾ محضر مهيأ للكتب ، ولم يذكر الفعل لعلم حمه من القول ومن ألآى الأخر ، ولأن الكلام قبل وبعد فى الألفاظ ومن جنسها ما توسوس به النفس ، وسواء فى ذلك الكافر والمؤمن ، ويكتبان الاعتقاد أيضا والتقرير .

وعن حذيفة بن اليمانى أن للكلام سبعة أغلاق ، إذا خرج منها كلها كتب ، وإلا لم يكتب : القلب واللهات ، واللسان ، والحنكان ، والشفتان ، ولا يكتبان ما فى القلب معصية أو طاعة أو غيرهما ، وقيل ، يكتبان كل ما خرج ولو مباحا أو غلطا أو نسيانا ، ولا يكتبان ما فى القلب ولو طاعة أو معصية ، وقال الحسن : يكتبان ما فيه وما فى الخارج طاعة أو معصية لو غيرهما ، عمدا أو نسيانا ، وقيل : يكتب كل شىء ، ويوم القيامة ، أو كل يوم خميس ، أو كل يوم اذا صعد العمل الى السماء أسقط ما لا شر فيه ولا خير ، مثل يا غلام اسقنى ، ويا غلام أسرج الدابة ، وأكلت وشربت ، وجئت وذهبت ، فقيل ذلك قوله تعالى : ﴿ يمحوا الله ما يشاء ويثبت ﴾ وان أراد بالمباح طاعة أو معصية فقد يظهر الله لهما ارادته بأثر فى فعله ، وقد لا يظهره ، والصحيح أنهما لا يكتبان ما فى القلب ، ولا يطلعان عليه لقوله تعالى : « أنتم الحفظة على ظاهر عبدى وأنا الرقيب على ما فى قلبه » تزكى الملائكة العمل فيقول الله : « اضربوه به فانه لم يردنى به » ويحتقران عملا ويقول الله تعالى : « ضاعفوه واجعلوه فى عليين وأنا أعلم به » ويقول : « اكتبوا لفلان كذا » فيقولون : يا رب لم يفعله ، فيقول : « انه نواه » .

وأما قوله تعالى : « اكتبوا لعبدى ما كان يعمل قبل سفره وقيل مرضه » فلا دليل فيه على علمهم بما فى القلب ، لأنه يحمل على ما ظهر لهم من أعماله قبل هكذا أو على كتابة ما ليس طاعة ولا معصية ، فهو يكتبه ملك الشمال لرواية الأوزاعى ، عن حسان بن عطية : أن رجلا عثر به حماره فقال : تعست ، فقال صاحب اليمين : ما هى حسنة فأكتبها ، وقال صاحب الشمال : ما هى سيئة فأكتبها ، فنوجى صاحب الشمال : ما ترك صاحب اليمين فاكتبه ، وعلى هذا أنه لم يرد بتعست الجزع من قضاء الله عز وجل ، أو ظلم الحمار السوء ، فقد يظهر الله فيه ظلمة المعصية ، وقد لا يظهره ، وكذا ما احتمل الطاعة فقد يظهر الله فيه النور اذا أريدت به ، وملك اليمين أمين على صاحب الشمال اذا عمل حسنة كتبها فى الحين بعشر ، وان عمل سيئة قال لملك الشمال : أخره ست ساعات أو سبعا لعله يتوب ، فان لم يتب كتب واحدة .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٤٨