وَإِذَا جَاۤءَكَ ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِءَایَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَیۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوۤءَۢا بِجَهَٰلَةࣲ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ٥٤
الرسم الإملائيّ
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الجزء ٧الربع ٥٣ صفحة ١٣٤
تفسيرها
﴿ وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الذين يؤمنون ، هم الذين يدعون ربهم ؛ وصفهم بالإيمان بالقرآن واتباع الحجج ، بعدما وصفهم بالمواضبة على العبادة ، وأمره بأن يبدأهم بالتسليم ، أو يبلّغهم سلام الله إليهم ، ويبشرهم بسعة رحمة الله وفضله ، بعد النهي عن طردهم ، إيذانا بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل ، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرَّب ولا يُطرد ، ويُعزَّ ولا يُذل ، ويُبشرَّ من الله بالسلامة في الدنيا في الدُّنيا ، والرحمة في الآخرة .
﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ من جملة ما يقول لهم ليبشرهم بسعة رحمة الله وقبول التوبة منه ، ومعناه : وعدكم بالرحمة وعدا مؤكدا ، وقيل : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) أي : على ذاته ، لا على شيء سواه ، وقيل : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) يقول : حكم ربكم بالرحمة لمن طاعة ؛ ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً ﴾ ذنباً ، تسوء عاقبة راكبه ؛ ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ قيل : لا يعرف حلال ذلك الشيء من حرامه ، ولم تقم عليه الحجة بذلك ، فمن جهالته ركب ذلك الأمر ، ﴿ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ أي : طلب السؤال ، ولو بالخروج مع القدرة على ذلك ، أو دان بالسؤال مع العجز والتوبة من ذلك مع القدرة ، أو تاب في الجملة مع العجز عن التوبة منه بعينه ، ( ثم تاب من بعده ) من بعد السوء أو العمل ، وأصلح وأخلص توبته ، ﴿ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لمن تاب قبل الموت .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٤٣
قوله : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا ﴾ قال الحسن : يعني هؤلاء الذين أمر المشركون النبيَّ بطردهم ﴿ فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أمر الله النبي أن يسلم عليهم من الله .
قوله : ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ . قال بعضهم : كل ذنب عمله العبد فهو بجهالة .
وأما قوله : ﴿ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فقال الكلبي : إن أناساً من أصحاب النبي من المنظورين إليهم قالوا : يا رسول الله : صدق عمك فاطرد عنا سفلة الموالي . وفي تفسير الكلبي : إن أبا طالب هو الذي قال له ذلك . قال : فعاتبهم الله في الآية الأولى . فجاءوا يعتذرون إلى رسول الله من سقطتهم ويسألونه أن يعفو عنهم فأنزل الله : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٤٣
﴿ وَإِذَا اجَاءَك ﴾ واقفاً أَو ماشياً أَو قاعِداً أَو راكباً أَو مضطجعاً ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنونَ بِآيَاتِنَا ﴾ نازلة أَو معجزة ، هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ، الممنون عليهم بالهدى ، الشاكرون ، ومقتضى الظاهر : وإِذا جاءُوك ، لكن وضع الظاهر ليصفهم بالعلم؛ فإِن الإِيمان باللآيات علم ، فيكون قد وصفهم بالعمل الصالح بالغداة والعشى ، فهم جامعون لفضلى العلم والعمل الموجبين للتقريب والعز وترك الطرد والتبشير بالإِسلام من الله ونبيه صلى الله عليه سولم به كما قال ﴿ فَقُلْ ﴾ قبلهم ، تطييباً لخاطرهم ، وهذا أَمر إِيجاب عليه ، وقيل ندب ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ من الله على لسانى ، ومنى ، قال عكرمة : منه صلى الله عليه سولم ، وقيل من الله تعالى ، وقيل ليس بتحية بل إِخبار بأَن لهم السلامة . وابن عباس علَى أَنه تحية من الله عز وجل ، ولهم التبشير بالرحمة فى الآخرة ، كما قال ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ ﴾ قضى ، أَو كتب فى اللوح المحفوظ ، وقيل : هذا من كلامه صلى الله عليه وسلم غير داخل فيما حكى بالقول ، وقيل : هذا مستأنف فى قوم قالوا : أَصبنا ذنوبا عظاماً ، فنزل فيهم ، وقيل : لم تنزل فى قوم مخصوصين بل عامة ، وفيه أَن المثبت مقدم على النافى ، ومن أَين لقائله الجزم بالنفى مع أَن النزول فى مخصوصين لا ينافى العموم ، ﴿ عَلَى نَفْسَهِ الرَحْمَةَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمَ ﴾ يا أَيها المذكورون بالعبادة والعلم ، أَو يا أَيها الناس مطلقاً الداخل فيهم هؤلاء أَو لا وبالذات ﴿ سُوءًا ﴾ ذنباً ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ ثابتاً مع جهالة حال مؤكدة فإِن الذنب أَبداً جهالة ، أَى سفه ، قال الحسن : كل من عمل معصية من عالم أَو جاهل فهو جاهل ، أَى سفيه ، أَو المراد عدم العلم بحرمة عمله ، إِلا أَن العالم بالحرمة كذلك يغفر له إِذا تاب ، ولكن خص الجهالة تلويحاً إِلى أَنه يبعد عن المؤمن أَن يعصى مع علمه بالحرمة ، وأَ ، ه لا يعمل ذنباً إِلا وهو غير عالم بأَنه ذنب ، كما أَن عمر رضى الله عنه قال : يا رسول الله أَقم هؤلاء المؤمنين الضعفاء عنك إِذا جاءَ هؤلاء المدعون للشرف فتنظر ما يصصير إِليه أمرهم ، قاله ولم يعلم بأَن ذلك سفه ، وبكى واعتذر ، وقال : ما أَردت إِلا خيراً ، وإِما أَن يقال : الجهالة شامل لفعل السوء مع العلم بأَنه ذنب لشبه العالم حينئذ بالجاهل إِذا فعل ما يهلكه ويفيته الخير الدائم ، واختار اللذة العاجلة القليلة المتكدرة على الدائمة الكثيرة التى لا تتكدر ، ففيه الجمع بين الحقيقة والمجاز ، فإِما أَن يجوز وإِما أَن يحمل على عموم المجاز ، وهو أَولى لأَنه أَوسع ، وإِما أَن تحمل الجهالة على عدم العلم فقط ، أَو على عدم العلم بما يفوته من الثواب وما يستحقه من العقاب ، ففيه تقصير عن بعض ما تشمله الآية ﴿ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ بعد عمل السوء من عمله ﴿ فَأَنَّهُ ﴾ أَى الله ، بفتح الهمزة كما نص عليه أَبو عمرو الدانى ، ونصت المشارقة أَن أَبا عمرو الدانى هو أَعلم الناس بقراءَة نافع ، وشهر الكسر عن نافع ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ والمصدر من غفور رحيم بواسطة أَن بدل من الحرمة بدل مطابق ، كأَنه قيل : كتب على نفسه الغفران والرحمة لمن عمل سوءا وتاب وأَصلح ، وإِن قلت : أَجمع الناس على أَن الأَنعام نزلت دفعة واحدة فكيف يقال سبب نزول كذا وسبب نزول كذا هو كذا من آياتها بل هن على العموم من فعل كذا فله كذا؟ قلت : نزلت على طبق ما سيقع فكانت مصداقاً له .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٤٣