وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِیِّهِمۡ عِجۡلࣰا جَسَدࣰا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّهُۥ لَا یُكَلِّمُهُمۡ وَلَا یَهۡدِیهِمۡ سَبِیلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَٰلِمِینَ١٤٨
الرسم الإملائيّ
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ
الجزء ٩الربع ٦٧ صفحة ١٦٨
تفسيرها
﴿ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ ﴾ من بعد ذهابه إلى الطور ، ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ﴾ وهو صوت البقر ، وقيل : صاغه بنوع من الحيل ، فيدخل الريح جوفه فتصوت ، ثم عجب من عقولهم السخيفة فقال : ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ دليل على أن خواره ليس تكليما لهم . ﴿ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل حتى يختاروه على من لو كان البحر مدادا لكلماته لنفذ البحر قبل أن تنفذ بعض كلماته ، وهو الذي هدى الخلق إلى سبيل الحق بما ركزَّ في العقول من الأدلة ، وبما أنزل في الكتب ، ثم ابتدأ فقال : ﴿ اتَّخَذُوهُ ﴾ إلها ، فأقدموا على هذا المنكر ، ﴿ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ ﴾ باتخاذهم الربوبية ( لعله ) لمربوب .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٠٢
قوله : ﴿ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد موسى حين ذهب للميعاد . ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ﴾ . قال بعضهم : جعل يخور خوار البقرة . وقال مجاهد : خوار فيه الريح .
وقال الحسن : إن موسى عليه السلام لما مضى للميعاد عمد السامري فألقى ما كان معه من الحليّ ، وألقى بنو إسرائيل ما كان معهم من الحليّ أيضاً . وكانت معهم تلك الحليّ عوارى استعاروها من آل فرعون ليوم الزينة ، يوم العيد الذي وعدهم موسى حيث يقول : ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ [ طه : 59 ] . وهو قول بني إسرائيل : ﴿ حُمِّلْنَا أَوْزَاراً ﴾ ، أي : آثاماً ، ﴿ مِّن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴾ [ طه : 87 ] أي ما معه كما ألقيّنا ما معنا . وكان الله أمر موسى أن يسير بهم ليلاً ، فكره القوم أن يردوا العواري على آل فرعون ، فيفطن بهم آل فرعون ، فساروا من الليل والعواري معهم . فعمد السامري فصاغ عجلاً من ذلك الحليّ؛ قال : وكان صائغاً . قال : وقد كان أخذ تراباً من أثر فرس جبريل يوم قطعوا البحر فكان معه ، فقذف ذلك التراب في ذلك العجل ، فتحول لحماً ودماً له خوار للبلا . ﴿ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ﴾ [ طه : 88 ] أي ولكن نسى موسى إلهه فأضله فذهب في طلبه ، وهو عندكم .
قال الله : ﴿ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ يعني العجل ﴿ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ أي طريقاً . ﴿ اتَّخَذُوهُ ﴾ إلَهاً ﴿ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴾ لأنفسهم باتخاذهم إياه .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٠٢
﴿ واتَّخَذَ ﴾ صاغ ﴿ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ ﴾ بعد ذهابه إِلى الطور للمناجاة ، وأخذه العهد منهم أَلاَّ يحدثوا فى الدين ولا يشركوا ومن للابتداء ، وقيل زائدة بخلافها فى قوله : ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ فإِنها فيه للتبعيض لا لمعنى واحد ، فصح تعلقها بعامل واحد بلا تبعية مع جواز تعلقه بمحذوف نعت لقوله ﴿ عِجْلاً ﴾ ولو نكرة لتأَخره ، والأَصل حلوى - بضم الحاء واللام وإِسكان الواو - والإِعراب على الياء ، قلبت الواو ياء ، وأدغمت فى الياء ، جمع حلى بفتح فإِسكان ، و هو ما يتزين به من ذهب وفضة وغيرهما ، استعاروه بأَمر الله حين أَرادوا الخروج من مصر ، قبل غرق فرعون ، وأَبقاه الله عز وجل ملكاً لهم ، وليس غنيمة لأَنه بلا قتال ، ولا تحل لهم الغنائم ، وقيل استعاروه لعرس وأَحل الله عز وجل لهم أَن يملكوه بعد غرق فرعون وقومه كما ورثوا أَرضهم وسائر أَموالهم ، وأَضافه إِليهم لملكهم إِياه بعد الغرق ، والعجل ولد البقرة ﴿ جَسَدًا ﴾ مستقلا لا صورة منقوشة فى الحائط ، بدل من عجلا لا نعت له ، لأَنه جامد غير مؤول بمشتق إِلا أَن يسوغ ذلك بجعل له نعتاً رافعاً لخوار على الفاعلية فيكون من النعت الجامد لوصفه بمشتق ، أَى جسداً ثابتاً له خوار ، كقوله عز وجل ﴿ بشراً سويا ﴾ وأَجاز بعضهم عطف البيان فى النكرات ﴿ لَهُ خُوَارٌ ﴾ صوت البقرن يخور ويمشى عند السدى ، أَو يخور ولا يتحرك عند وهب ، وقيل يمشى ، وكان لحماً ودماً ، وإِذا خار سجدوا له حتى يسكت ، وقيل خار مرة واحدة ، ذبحه موسى عليه السلام ، والذبح دليل اللحم والحياة ، وكذا الخوار ، وحرقه وأَلقاه فى البحر ، صوره السامرى من الحلى ، وكان حدادا مطاعا فى قومه ، وأَلقى فيه أَو فى فمه من تراب أَثر فرس جبريل حين رأَى أَثره ينبت فى الحين ، وقد سأَله قومه ِلهاً يعبدونه . وقيل : وقعت فيه قوة من جبريل وهو روح الحياة فجيى ، وذلك بأَمر الله لا كلما مر بشئ ، وإِنما شاهد أَثر الفرس حين جاءَ جبريل على صورة فرس أَنثى ليتبعه خيل فرعون وقومه ، وكانت ذكوراً فيغرقوا ، وأَمسكه عنده ، أَو كان ذلك عند ذهابه إِلى الطور مع موسى ، وظاهر ذلك أَنه عندهم إِله مستحدث ، لا ما قيل أَنهم من أَهل الحلول ، ادعوا حلول الله فى تلك الصورة ، وأَنهم لذلك قالوا : وإِله موسى ، وإِنما قالوه توهما أَو خداعاً ، وقيل : الخوار مجاز صورى ، وكذا العجل جعل فى جوفه أَنابيب على شكل مخصوص موجه للريح ، فيخرج منه صوت كصوت البقر ، وليس لحماً ولا دماً ، وهو قول جمهور المعتزلة ، ولو كان ذلك لما احتاج إِلى أَثر الرسول ، إِلا أَن يقال : أَحدث فيه أَثر الرسول صوتاً كصوت البقر بلا حياة ولا انقلاب لحماً ودماً ، ولا حاجة إِلى أَنابيب ﴿ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ كما يتكلم الإِنسان ، وكما كلم موسى ربه ﴿ وَلاَ يَهْدِيهِمْ ﴾ كما يهدى الإِنسان آخر ، وكما هدى الله قوم موسى ﴿ سَبِيلاً ﴾ نفى للتعجب منهم ، ومن إِخلالهم فى النظر ومن ضلالهم ، إِذ جعلوه إِلهاً وعبدوه حتى أَنه يلزم على ذلك أَنه خالق للأَجسام والأَعراض مع أَنه لا يوجد منه كلام إِلا الخوار ، ولا يرشدهم لسبيل ﴿ اتَّخَذُوهُ ﴾ صاغوه من الحلى فهو تأكيد لما سبق ذماً لهم ، أَو اتخذوه إِلهاً ﴿ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴾ عطف أَو حال ، ومن شأْنهم الظلم بالذنوب لأَنفسهم ولغيرهم فلم يكن ذلك بدعا فيهم ، والظلم أَيضاً النقص من الحق وأَيضاً وضع الشئ فى غير موضعه .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٠٢