سورة الأعراف · الآية ١٦٠ من ٢٠٦

‹ السورة السابقة
وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَیۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمࣰاۚ وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥۤ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَیۡنࣰاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسࣲ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَیۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَیۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُوا۟ مِن طَیِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ یَظۡلِمُونَ١٦٠
الرسم الإملائيّ

وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

الجزء ٩الربع ٦٨ صفحة ١٧١

تفسيرها

[سورة الأعراف — آية 160]

﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ ﴾ وصيرناهم فرقا ، ﴿ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً ﴾ قيل : الأسباط القبائل ، واحدها سبط ، ﴿أُمَماً ﴾ لأن كل سبط أمة عظيمة ، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى . ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ﴾ أي : سألوه أن يستقيهم ، وكان ليس معه ماء ، ﴿ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ على قدر الأسباط لكل سبط عين ، وذلك ليريهم الله قدرته الباهرة ، إذا نبع لهم من حجر صمِّ ماء عذبا سائغا للشاربين بضربه عصا . ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ ﴾ جعلناه ظلسلا عليهم في التيه عن حر الشمس فيما قيل . ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ﴾ يذهب به عنهم كلب الجوع . ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ فما شكروا هذه النعم ، بدليل قوله : ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم ، ﴿ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ ولكن كانوا يضرون أنفسهم ، ويرجع وبال ظلمهم عليهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١١٤

[سورة الأعراف — آية 160]

قوله : ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَمَاً ﴾ يعني بني إسرائيل . ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذْ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ .

قال بعضهم : كان موسى احتمل معه من الجبل ، جبل الطور ، حجراً؛ فإذا نزلوا ضربه موسى فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، لكل سبط عين مستعذَب ماؤها ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ وذلك في تيههم .

قوله : ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى ﴾ . قال بعضهم : كان المن ينزل عليهم من السماء في محلتهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وكان أشد بياضاً من الثلج وأحلى من العسل ، والسلوى السّمّان . وهو هذا الطائر الذي يقال له السمّان ، كانت تحشرها عليهم الجَنوب . وقد فسَّرنا أمرهم في سورة البقرة . وقال الحسن : السلوى السمّان .

قوله : ﴿ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ يعني المنّ والسلوى . وقال الحسن : هذا حين خرجوا من البحر ، أعطاهم الله ذلك لأنهم خرجوا إلى أرض بيضاء ليس فيها نبات ولا بناء ، وليس معهم طعام ولا شراب . قال : ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١١٤

[سورة الأعراف — آية 160]

﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ ﴾ فرقناهم ، والشد للمبالغة ﴿ اثْنَتَىَ عَشْرَةَ ﴾ حال ، أَو قطعنا : صيرنا ، فاثنتى عشرة مفعول ثان ﴿ أَسْبَاطًا ﴾ بدل من اثنتى عشرة أَو من تمييزه المحذوف ، أَى اثنتى عشرة فرقة ، وقال ابن مالك : تمييز ، ولعله أَراد بدل التمييز لأَنه جمع ، ولو كان تمييزاً لقال اثنى عشر بإِسقاط التاءَين لأَن السبط ذكر ، وقال : يسوغ إِسقاطهما ذكر أمما المؤنث ، وأَيضاً جعله تمييزاً لأَنه يجوز إِطلاق الأَسباط على فرقة على أَن كل فرد منها سبط ، فلكونه بمعنى فرقة ثبتت التاءَان ، والسبط ولد الولد أَو ولد البنت أَو الولد ، وأَولاد يعقوب اثنا عشر ، وأَولاد كل واحد سبط من بنى إِسرائيل كقبيلة من العرب ﴿ أُمَمًا ﴾ بدل من أَسباطاً ، وقد أَجيز الإِبدال من البدل أَو نعت ، وجملة قطعناهم عطفت على ما قبلها عطف قصة على أُخرى إِذ هذه فى شأن التيه ، قطعهم اثنتى عشرة ليخف أَمرهم على موسى بجعل عريف لكل سبط ، ضبطاً لأَحوالهم ولا يتحاسدوا ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى ﴾ فى التيه ﴿ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ﴾ فيه حين عطشوا فقالوا : من أَين لنا الشراب؟ ﴿ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الحَجَرَ ﴾ حجراً مخصوصاً خفيفاً مربعاً فى قدر رأس الرجل من رخام أَو كذان يحمله معه فى مخلاته حرصاً عليه ، وهو الذى فر بثوبه ليرى أَنه غير آدر ﴿ فَانْبَجَسَتْ ﴾ فضرب فانبجست ، وحذف لأَن موسى لم يتوقف ، ولأَن ضربه لم يؤثر بذاته ، وذلك كقوله تعالى ﴿ وما رميت إِذ رميت ﴾ إِلخ . . والانبجاس خروج الماء ، وقيل : بقلة . . وعليه فيكثر بعد ، فيجمع بين آيتى الانبجاس والانفجار ، الذى هو الكثرة ، وزعم بعض أَن التقدير فإِذا ضربت انبجست ﴿ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ من كل وجه من أَوجهه الأَربعة ثلاث عيون ﴿ قَدْ عَلِمَ ﴾ عرف ﴿ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ موضع شربهم يجعل كل سبط جدولا من عينهم المخصوصة بهم إِلى جهة يخفونها ، وذلك بتعيين ، وقيل بطبع الله لهم على علم ذلك ، وأناس بمعنى ناس ، وكلاهما اسم جمع ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ﴾ عن حر الشمس فى التيه ﴿ الْغَمَامَ ﴾ السحاب يلقى ظله عليهم يسير بسيرهم ويسكن بإِقامتهم ، ولهم عمود نور فى السماءِ يسيرون ليلا بضوئه ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ المَنَّ ﴾ شئ حلو ينزل كالثلج من الفجر إِلى طلوع الشمس ، الترنجين يأخذ كل واحد صاعا ﴿ وَالسَّلْوَى ﴾ جنس الطائر المسمى بالسمانى بالضم تحشره عليهم ريح الجنوب بالفتح فيأْخذ كل ما يكفيه وهو رخو بإِذن الله عز وجل لا يمتنع ﴿ كُلُوا ﴾ قائلين لهم : كلوا ، أَو مقولا لهم : كلوا ، أَو قلنا : كلوا ﴿ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ من المن والسلوى والماءِ ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ أَى فظلموا بأَن كفروا النعم ، « وما ظلمونا » أَى لم يشكروا هذه النعم فى التيه ، أَولم يشكروا النعم قبل التيه فوقعوا فيه بكفرها ، وما ظلمونا بذلك ، ودل ذلك على الفاصلة هى قوله : ﴿ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ بتعديهم الحدود ، وبطر النعم ، وضرره عليهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١١٤