سورة الأعراف · الآية ١٦٦ من ٢٠٦

‹ السورة السابقة
فَلَمَّا عَتَوۡا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِءِینَ١٦٦
الرسم الإملائيّ

فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ

الجزء ٩الربع ٦٨ صفحة ١٧٢

تفسيرها

[سورة الأعراف — آية 166]

﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ مبعدين . والعذاب البئيس قيل : هو المسخ ، قيل : صار الشباب قردة ، والشيوخ خنازير ، وكانوا يعرفون أقاربهم ويبكون ولا يتكلمون ؛ والجمهور على أنها ماتت بعد ثلاث ؛ وقيل : مسخت قلوبهم لا أبدانهم ، وجميع من عصى الله فهم مثل الأنعام والقردة بل أضل وأعقل .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٢٠

[سورة الأعراف — آية 166]

قوله : ﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ قال مجاهد : إلا طائفة منهم لم يفعلوا .

قال الحسن : ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ : صاغرين . قال : وهي كقوله : ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا ﴾ أي اصغروا فيها ، أي في النار ﴿ وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ [ المؤمنون : 108 ] . قال بعضهم : فصاروا قردة تَعَاوى لها أذناب بعد أن كانوا رجالاً ونساء .

ذكروا أنه دُخِل على ابن عباس ، وبين يديه المصحف ، وهو يبكي ، وقد أتى على هذه الآية : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ فقال : قد علمتُ أن الله أهلك الذين أخذوا الحيتان ، ونجّى الذين نَهَوْهُم ، ولا أدري ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يواقعوا المعصية .

وقال الحسن : وأي نهى أشد من أنهم أثبتوا لهم الوعيد ، وخوّفوهم العذاب فقالوا : ﴿ لِمَ تَعِظُوْنَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٢٠

[سورة الأعراف — آية 166]

﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْه ﴾ تكبروا عن ترك ما نهوا عنه ، من الصيد وسائر الفسق ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ وهم نحو اثنى عشر أَلفا ، أَو نحو سبعين أَلفا ، أَخذ رجل سمكة يوم السبت وربطها إِلى وتد على الساحل فى الماءِ وأَخذها يوم الأَحد فلما لم يروا العذاب شرعوا فى أَخذه يوم السبت وبيعه وأَكله فصار أَهل القرية ثلاثا : معتدين ، وناهين ، مستمرين أَو غير مستمرين ، وغير ناهين ولا مكتفين بنهى الناهى ، بل هانت عليهم المعصية ، ويجوز أَن يكون العذاب البئيس هو هذا المسخ ، والفاء خرجت عن أَصلها إِلى بيان المجمل ، ومعنى القول توجيه الإِرادة الأَزلية إِلى تصييرهم قردة ، ولا كلام فى ذلك ، والأَمر بالكون تهوين إِذ لا قدرة لهم على مسخ أَنفسهم ، ولو كان لهم قدرة على ذلك لم يفعلوا ، فليس ثَمَّ أَمر ولا مأمور ولا تكليف بكون ولا لفظ حقيقة ، شبه تأثير قدرته تعالى فى مسخهم بلا توقف ولا امتناع ولا عمل ولا آلة بقول المطاع لمطيعه : افعل كذا ، فيفعله ، بلا توقف ، ففى الآية استعارة تمثيلية ، وخاسئين أَذلاء مهانين ، والمسخ قردة على حقيقته ، لا كما قيل : مسخت قلوبهم حتى لا يفهموا حقا كالقردة ، قدر عليهم الناهون لقلتهم ، بالنسبة للناهين ، ولالقاءِ الذل عليهم من الله عز وجل ، أَو لعذاب شديد أَصابهم فضعفوا فعزلوهم لمخالفتهم جانبا ، وجعلوا إِليهم بابا ، وقيل : بابا للناهين وبابا للعاصين ، وأَصبحوا يوما ولم يخرج إِليهم أَحد . فدخلوا عليهم ، أَو علوا الجدار عليهم ، وإِذ هم قردة لا يعرفونهم والقردة تعرفهم وتدول حول أَقاربها وأَصحابها باكية ، وتشم ثيابهم فيقولون : أَلم ننهكم؟ فتقول برأسها : بلى ، وماتوا عن ثلاثة أَيام ، قال الحسن : قلما رأَيت أَحدا أَكثر الاهتمام بالمعصية إِلا فعلها ، وتقدم تحقيق كلام فيمن نجا مختصرا آنفا . وعن ابن عباس : ما أَدرى ما فعل بالفرقة الساكتة ، ويكى ، فقال عكرمة : جعلنى الله فداءَك لم تهلك ، قد أَنكروا وكرهوا ، وقالوا : ﴿ لم تعظون ﴾ إِلخ . وروى أَنه قال أَيضا عكرمة : إِن لم يقل الله عز وجل ﴿ أَنجيناهم ﴾ فإِنه لم يقل : أَهلكتهم ، ورجع إِلى قوله ، وكساه بردين ، رواه الحاكم ، وهو قول الحسن ، وروى أَنه رجع إِليه بعد ما جزم بهلاكها ، وقال ابن زيد : هلكت ، وهذه أَشد آية فى ترك النهى عن المنكر ، وأَنت خبير أِن النهى على الكفاية ، فإِذا سكت الساكت لقيام غيره بالنهى لا لرضى أَو إِعانة ، وقد أَنكر بقلبه فلا بأس ، ويبعد أَن يكون النهى فرض عين عند هؤلاءِ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٢٠