فَلَمَّا عَتَوۡا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِءِینَ١٦٦
الرسم الإملائيّ
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ
الجزء ٩الربع ٦٨ صفحة ١٧٢
تفسيرها
﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ مبعدين . والعذاب البئيس قيل : هو المسخ ، قيل : صار الشباب قردة ، والشيوخ خنازير ، وكانوا يعرفون أقاربهم ويبكون ولا يتكلمون ؛ والجمهور على أنها ماتت بعد ثلاث ؛ وقيل : مسخت قلوبهم لا أبدانهم ، وجميع من عصى الله فهم مثل الأنعام والقردة بل أضل وأعقل .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٢٠
قوله : ﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ قال مجاهد : إلا طائفة منهم لم يفعلوا .
قال الحسن : ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ : صاغرين . قال : وهي كقوله : ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا ﴾ أي اصغروا فيها ، أي في النار ﴿ وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ [ المؤمنون : 108 ] . قال بعضهم : فصاروا قردة تَعَاوى لها أذناب بعد أن كانوا رجالاً ونساء .
ذكروا أنه دُخِل على ابن عباس ، وبين يديه المصحف ، وهو يبكي ، وقد أتى على هذه الآية : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ فقال : قد علمتُ أن الله أهلك الذين أخذوا الحيتان ، ونجّى الذين نَهَوْهُم ، ولا أدري ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يواقعوا المعصية .
وقال الحسن : وأي نهى أشد من أنهم أثبتوا لهم الوعيد ، وخوّفوهم العذاب فقالوا : ﴿ لِمَ تَعِظُوْنَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٢٠
﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْه ﴾ تكبروا عن ترك ما نهوا عنه ، من الصيد وسائر الفسق ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ وهم نحو اثنى عشر أَلفا ، أَو نحو سبعين أَلفا ، أَخذ رجل سمكة يوم السبت وربطها إِلى وتد على الساحل فى الماءِ وأَخذها يوم الأَحد فلما لم يروا العذاب شرعوا فى أَخذه يوم السبت وبيعه وأَكله فصار أَهل القرية ثلاثا : معتدين ، وناهين ، مستمرين أَو غير مستمرين ، وغير ناهين ولا مكتفين بنهى الناهى ، بل هانت عليهم المعصية ، ويجوز أَن يكون العذاب البئيس هو هذا المسخ ، والفاء خرجت عن أَصلها إِلى بيان المجمل ، ومعنى القول توجيه الإِرادة الأَزلية إِلى تصييرهم قردة ، ولا كلام فى ذلك ، والأَمر بالكون تهوين إِذ لا قدرة لهم على مسخ أَنفسهم ، ولو كان لهم قدرة على ذلك لم يفعلوا ، فليس ثَمَّ أَمر ولا مأمور ولا تكليف بكون ولا لفظ حقيقة ، شبه تأثير قدرته تعالى فى مسخهم بلا توقف ولا امتناع ولا عمل ولا آلة بقول المطاع لمطيعه : افعل كذا ، فيفعله ، بلا توقف ، ففى الآية استعارة تمثيلية ، وخاسئين أَذلاء مهانين ، والمسخ قردة على حقيقته ، لا كما قيل : مسخت قلوبهم حتى لا يفهموا حقا كالقردة ، قدر عليهم الناهون لقلتهم ، بالنسبة للناهين ، ولالقاءِ الذل عليهم من الله عز وجل ، أَو لعذاب شديد أَصابهم فضعفوا فعزلوهم لمخالفتهم جانبا ، وجعلوا إِليهم بابا ، وقيل : بابا للناهين وبابا للعاصين ، وأَصبحوا يوما ولم يخرج إِليهم أَحد . فدخلوا عليهم ، أَو علوا الجدار عليهم ، وإِذ هم قردة لا يعرفونهم والقردة تعرفهم وتدول حول أَقاربها وأَصحابها باكية ، وتشم ثيابهم فيقولون : أَلم ننهكم؟ فتقول برأسها : بلى ، وماتوا عن ثلاثة أَيام ، قال الحسن : قلما رأَيت أَحدا أَكثر الاهتمام بالمعصية إِلا فعلها ، وتقدم تحقيق كلام فيمن نجا مختصرا آنفا . وعن ابن عباس : ما أَدرى ما فعل بالفرقة الساكتة ، ويكى ، فقال عكرمة : جعلنى الله فداءَك لم تهلك ، قد أَنكروا وكرهوا ، وقالوا : ﴿ لم تعظون ﴾ إِلخ . وروى أَنه قال أَيضا عكرمة : إِن لم يقل الله عز وجل ﴿ أَنجيناهم ﴾ فإِنه لم يقل : أَهلكتهم ، ورجع إِلى قوله ، وكساه بردين ، رواه الحاكم ، وهو قول الحسن ، وروى أَنه رجع إِليه بعد ما جزم بهلاكها ، وقال ابن زيد : هلكت ، وهذه أَشد آية فى ترك النهى عن المنكر ، وأَنت خبير أِن النهى على الكفاية ، فإِذا سكت الساكت لقيام غيره بالنهى لا لرضى أَو إِعانة ، وقد أَنكر بقلبه فلا بأس ، ويبعد أَن يكون النهى فرض عين عند هؤلاءِ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٢٠