[سورة المدثر — آية 28]
قال تعالى : ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ﴾ أي : لا تبقي ، إذا دخلها ، شيئاً من لحمه ودمه وشعره وبشره وعظامه وأحشائه حتى تهجم على الفؤاد فتطبخ الفؤاد . فإذا انتهت إلى الفؤاد لم تجد شيئاً تتعلق به . ثم يجدد الله خلقه فتأكله أيضاً . وهو قوله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ [ النساء : 56 ] .
وقال مجاهد : ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ﴾ أي : لا تحيي ولا تميت . قوله عز وجل : ﴿ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ﴾ أي : محرقة للجلد ، تأكل كل شيء إلا الفؤاد . ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ .
لما نزلت قال أبو جهل : يا معشر قريش إني أرى محمداً يخوّفكم بخزنة النار ، ويزعم أنهم تسعة عشر وأنتم الدَّّهم ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم فتخرجوا منها؟ فقال أبو الأشد الجمحي : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر : عشرة على ظهري وسبعة على صدري ، فاكفوني أنتم اثنين . فأنزل الله :
﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً ﴾ [ أي : فمن يطيقهم ] ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً ﴾ أي بلية ﴿ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ ﴾ لأنهم في كتبهم تسعة عشر ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِيمَاناً ﴾ أي : تصديقاً ﴿ وَلاَ يَرْتَابَ ﴾ أي : ولا يشك ﴿ الَّذينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤمِنُونَ ﴾ أي : فيما أنزل الله من عددهم ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ أي : نفاق ﴿ وَالْكَافِرُونَ ﴾ أي الجاحدون ﴿ مَاذَآ أَرَادَ الله بِهَذَا مَثَلاً ﴾ [ أي : ذكرها ] وذلك منهم استهزاء وتكذيب .
قال الله : ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ ﴾ بترك الإِيمان بالقرآن الذي فيه التسعة عشر . ﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به قال : فعرج بي حتى انتهيت إلى باب الحفظة وعليه ملك يقال له إسماعيل جنده سبعون ألف ملك . ثم تلا هذه الآية : ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
قال : ﴿ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾ تفسير الحسن وغيره : يعني النار : رجع إلى قوله : ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴾ .