سورة الأنفال · الآية ٣٤ من ٧٥

‹ السورة السابقة
وَمَا لَهُمۡ أَلَّا یُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ یَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوۤا۟ أَوۡلِیَاۤءَهُۥۤۚ إِنۡ أَوۡلِیَاۤؤُهُۥۤ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ٣٤
الرسم الإملائيّ

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

الجزء ٩الربع ٧٢ صفحة ١٨١

تفسيرها

[سورة الأنفال — آية 34]

﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ ﴾ أي : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وهو معذبهم إذا فارقتهم ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام ، أي : يمنعون المؤمنين الطواف بالبيت ، وكانوا يقولون : نحن ولاة البيت الحرام ، فنصد من نشاء وندخل من نشاء ، فقيل : ﴿ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ ﴾ وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمر الحرم ، ولعلهم يظنون أنهم أولياؤه بمخالفتهم لأوليائه وهم المتقون ، كما قال : ﴿ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ذلك من قلة تدبرهم ، فولاة أمور الإسلام كلها من اتقى الله إلا ما خص به غيرهم مما جعلوا فيه أولياء .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٩٤

[سورة الأنفال — آية 34]

يقول الله : ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وهم الذين لا يؤمنون .

قال الحسن : ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ أي : حتى يخرجك من بين أظهرهم . وقد قضى الله أنه إذا أهلك قوماً نجّى المؤمنين . ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي : لا يزال منهم مستغفر يستغفر من الشرك ويدخل في الإيمان . ولا يعذب الله قوماً حتى يبلغوا الحدَّ الذي لا يؤمن منهم أحد .

وقال بعضهم : ﴿ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي : يعملون عمل الغفران . قال : ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدَّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ﴾ [ زعم المشركون أنهم أولياء المسجد الحرام فقال الله : ﴿ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ﴾ ﴿ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المُتَّقُونَ ﴾ . أي : من كانوا وأين كانوا ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يقول : إن القوم لم يكونوا يستغفرون ، أي يعملون عمل الغفران؛ ولو عملوا عمل الغفران ما عذبوا .

وكان بعض أهل العلم يقول : هما أمانان أنزلهما الله . أما أحدهما فمضى ، وهو نبي الله صلى الله عليه وسلم . وأما الآخر فأبقاه الله رحمة : هذا الاستغفار .

وذكر بعض أهل العلم قال : ما من أمة يكون فيها خمسة عشر رجلاً من المسلمين يستغفرون الله إلا رحم الله تلك الأمة بهم .

ذكروا عن رجل من المهاجرين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « استغفروا الله وتوبوا إليه ، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة »

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٩٤

[سورة الأنفال — آية 34]

﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبهُمُ اللهُ ﴾ فى أَلا يعذبهم ، والعذاب لازم عدم الهداية ومسببه أَو لاحظ لهم فى انتفاء التعذيب ، وهذا حسب الظاهر مناقض لقوله ﴿ وما كان الله معذبهم ﴾ فيجاب بأَن المراد وما لهم أَلا يعذبهم إِذ أَزال الاستغفار ، لا كما قيل إِن هذا ناسخ إِذ لا نسخ فى الإِخبار ، وإِنما يكون فى الأَحكام مع ما فى تضمن المنسوخ هنا من الخفاء ، وإِنما المعنى أَن لا يعذبهم لولا استغفارهم ، أَو هذا رد لقولهم : لا يعذبنا الله ، لأَنا أَهل بيته وحرمه ، وقيل : هذا فى عذاب الآخرة ، وما مر فى عذاب الدنيا ، وهو غير متبادر ، وما استفهامية أَو نافية ، أَى ليس لهم انتفاء التعذيب ﴿ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ ﴾ من أَراد الصلاة فيه والطواف وقراءَة القرآن والذكر والتوحيد ورفض الأَصنام حتى كان المؤمنون فى دار الأَرقم ، وحتى هاجروا إِلى الحبشة والمدينة ، ومنعوهم عام الحديبية من العمرة هم أَهل لأَن يعذبهم الله ، ولكن لم يعذبهم لكونك فيهم ، وللاستغفار ، أَو ما لهم أَلا يعذبهم الله بالسيف : إِذا خرجت أَنت والمستضعفون عذبهم فى بدر لو تزيلوا لعذبنا . . الخ . . قاتلوهم يعذبهم الله بأَيديكم ، وهذا بالسيف ، وقوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم ﴾ عذاب استئصال بغير السيف ، فلا منافاة . وزعم بعض أَن هذا ناسخ للأَول على أَن الأَول يعم السيف وغيره ، ويجوز على بعد أَن يكون معنى قوله ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ ما كان معذبهم لو استغفروا كقوله تعالى ﴿ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأَهلها مصلحون ﴾ ووجه البعد منافاته للظاهر ، ولقوله ﴿ وما كان ليعذبهم وأَنت فيهم ﴾ لأَنه يوهم أَنهم إِذا لم يستغفروا يعذبون ، ولو كان النبى صلى الله عليه وسلم فيهم ، ومع ذلك البعد رجحة غير واحد وكانوا يقولون : نحن ولاة البيت الحرام وولاة أَمر الله فيه فنصد من نشاء وندخل من نشاء . . فنزل قوله تعالى ﴿ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ﴾ أَولياءَ الله ، أَو أَولياءَ المسجد الحرام ، ويرجح الأَول قوله تعالى ﴿ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ ﴾ المتقون للشرك أَو لعذاب الله فإِن ولى الله هو الموحد له ، وعلى أَن الهاءَ للمسجد يكون المعنى وما كانوا أَولياء المسجد الحرام بالاستحقاق لشركهم وللصد عنه ومعاداة أَولياءَ الله سبحانه بل تولوه لحكمة الله وقضائه وما أَولياؤه بالاستحقاق إِلا المتقون . . ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أَنه لا ولاية لهم ، وقليل علموا أَو جحدوا ، أَو الأَكثر بمعنى الكل .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٩٤