لَا یَسۡتَءۡذِنُكَ ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡءَاخِرِ أَن یُجَٰهِدُوا۟ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِٱلۡمُتَّقِینَ٤٤
الرسم الإملائيّ
لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
الجزء ١٠الربع ٧٧ صفحة ١٩٤
تفسيرها
﴿ عَفَا اللّهُ عَنكَ ﴾ كناية عن الزلة ، لأن العفو لا يكون إلا من تقصير ، وهو من لطيف التعاب بتصدير العفو في الخطإ ؛ وفيه دلالة فضله على الأنبياء ، حيث لم يذكر مثله لسائر الأنبياء . ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ ﴾ في عذرهم ، ﴿ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ أي : تعلم من لا عذر له ؛ قيل : لأنه لم يكن يعرف المنافقين من المؤمنين بعد الوحي ، كأنه أذن لهم على غير علم له سبق من الله ؛ وفيه زجر لمن ترتكب الأمور على جهالة ، لا يعرف حجرها من إباحتها ؛ لأن من دخل فيما لا يعلم ، فليس بعاقل ؛ ثم أعلمه بحال الفريقين بقوله :
﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ ﴾ ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا في أن يجاهدوا ﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ عدة لهم بأجزل الثواب .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٧٩
قوله : ﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ ﴾ كان المنافقون يأتون النبي عليه السلام فيعتلون بالمرض وبأشياء أكذبهم الله فيها فقال : ﴿ وَالله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ . ثم قال للنبي عليه السلام : ﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ والعفو من الله لا يكون إلا بعد ذنب ، ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ ، أي للمنافقين ، ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ ، أي : من له عذر ، ﴿ وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ ﴾ أي : من لا عذر له .
ثم قال : ﴿ لاَ يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالله ﴾ أي يتقون الله ﴿ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ ﴾ أي ويتقون اليوم الآخر ﴿ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ﴾ كراهية للجهاد ، فيتخلفوا عنك ولا عذر لهم . ﴿ وَالله عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ والتقوى اسم للأعمال الصالحة .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٧٩
﴿ لاَ يَسْتأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ فى ترك الجهاد أَو بذكر الجهاد طمعا فى أَن ترخص لهم فى تركه ، وإِنما ذلك حال المنافق أَو من له عذر . والنفى متوجه للاستئْذان والكراهة معا أو للكراهة ، بل يستأْذنك المؤمن المخلص لعذر صحيح أَى تحقق إِيمانهم بالله واليوم الآخر . ﴿ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ بل يتبعونك ويجاهدون بأَموالهم وأَنفسهم ويكرهون التخلف ولو أَبحته لهم ، لخلوص إِيمانهم ورجاءِ الثواب وخوف العقاب ، وذلك شأْنهم فلا ارتبت فيمن استأْذنك وتمهلت فى شأْنهم ، ومن شأْن المؤمن أن يسارع فى لخير . قال أَبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه فى سبيل الله ، يطير على متنه كلما سمع هيعة أَو فزعا طار على متنه ، يبتغى القتل أَو الموت ، أَى فى مواطن يعلم أَن الموت فيها شريف كالموت فى الغزو ، ولو بلا قتل كمرض وجوع وعطش » ، وبقى الاستئذان نفى لسببه وملزومه وهما حب التخلف ، ويجوز أَن يقدر كراهة أَن يجاهدوا ، أَكُب على التأليف ، إِذ لم أَجد لنا ابناً غازيا يوما ولا ما به أَغزو ، ولو كنت فى زمان الأَمير يوسف بن تاشفين لكنت أَطوع له من سائر أَعوانه إِن شاءَ الله ، ولعل الله يجعل لى ثوابا لقصدى ﴿ وَاللهُ عَلِيمُ بِالْمَتَّقِينَ ﴾ أَراد المتقين مطلقا فيدخل هؤلاءِ الذين لا يستأْذنونك أَولا أَو هم المراد ، وشهد لهم بالتقوى ووعد لهم الثواب فمقتضى الظاهر والله يحبهم ، توضع الظاهر موضع المضمر ، ليمدحهم بالتقوى . وللفاصله وفى أَخبار الملوك بالإِحسان عدة لجزاءِ المحسنين .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٧٩