كَیۡفَ یَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِینَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦۤ إِلَّا ٱلَّذِینَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُوا۟ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِیمُوا۟ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِینَ٧
الرسم الإملائيّ
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
الجزء ١٠الربع ٧٥ صفحة ١٨٨
تفسيرها
﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ ﴾ ؟ (( كيف )) استفهام في معنى الاستنكار، أي : مستنكر أن يثبت لهؤلاء عهد ، فلا تطمعوا في ذلك ، ولا تتعجبوا من نقض العهد منهم ، لأنهم جهلة لا يعلمون ثمرة الإسلام ، ولا ما يثمر لهم شركهم ؛ ولكن تعجبوا من وفائهم وتمامهم للعهد ، ولأنهم قوم جبلوا على النقد من حيث أن ذلك من طباعهم ، وشهواتهم المركبة فيهم ، وليس شيء يزعجهم وينهضهم عن ذلك إلى الوفاء من خوف الله ولا عار من الناس ؛ ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ ﴾ أي : ولكن الذين عاهدتم منهم . ﴿ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ ولم يظهر منهم نكث ، فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم . ﴿ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ ﴾ فما أقاموا على وفاء العهد ؛ ﴿ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ﴾ على الوفاء ، ﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ يعني : أن التربص بهم من أعمال المتقين .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٤٢
قوله : ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ ﴾ [ أي ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينكثوا ] .
وقال مجاهد : هم قوم كان بينهم وبين النبي عهد ومدة ، فأمره أن يوفي لهم بعهدهم ما أوفوا ، ولا ينبغي للمشركين أن يقربوا المسجد الحرام .
قال : ﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ ﴾ أي على العهد ﴿ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾ عليه ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٤٢
﴿ كَيْفَ يَكُونُ للمُشْرِكِينَ ﴾ الناكثين ﴿ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ﴾ والاستفهام إشنكارى بمعنى النفى ، ولو كان حقيقيا لم تكن لفظة إِلا بعده ، ولا يكون الاستفهام الحقيقى إِلا ممن جهل والله بكل شئٍ عليم ، والمعنى : لا يثبت لهم عهد عند الله ورسوله دون أَن ينقضوه ، بل لا بد من أَن ينقضوه لوغر صدورهم ، فالعهد فعل لهم أَو لاى يثبت الله لهم عهده وقد نقضوه فالعهد فعل الله ورسوله ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الحرَامِ ﴾ الاستثناء إِما منقطع أَى لكن الذين عاهدتم حكمهم ليس كذلك ، وقد علمت أَنه لا يلزم فى المستثنى المنقطع أَن يكون مبتدأ أَو منصوبا على الاشتغال ، وجاز أَن يكون مبتدأ خبره ما استقاموا لكم إِلخ . . أَو منصوب على الاشتغال استقيموا مع أَنه كجواب شرط ، أضو أَنه جوابه ، وما لا يعمل فيما قبله لا يفسر عاملا فيه ، والتحقيق الجواز لأَنه مجرد حذف لدليل لمنقطع هو منصوب ، وإِما متصل بدل من المشركين مجرور ويجوز النصب والمراد بالمسجد الحرام قربه ، أَو سمى الحرم مسجدا لأَن المعاهدة فى الحديبية وهى قريبة من الحرم ومن المسجد والمعاهدون عند المسجد الحرام قبائل بنى بكر وهم خزيمة وبنو مدلج من ضميرة ، وبنو دؤل وهو بنو ضميرة ، والآية نزلت بعد نقض قريش العهد ، وذلك قبل فتح مكة لا قبل النقض ، لقوله تعالى ﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لكُمْ ﴾ أَى أَقاموا على العهد لكم ﴿ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾ إِذ لا يقال لاستقامة مضت فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، فإِنما المعاهدون عند المسجد الحرام هم المذكورون فى قوله تعالى ﴿ إِلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ﴾ وذلك أَن هذه الآيات نزلت فى شوال سنة تسع ، وقريش نقضت فى السابعة ، والفتح فى الثامنة ، وما شرطية واقعة على الزمان ، قيل : هى مبتدأ ، ويقدر فما استقاموا فيه فاستقيموا لهم فيه ، لأَن ما لا تضاف ولو كانت بمعنى زمان أَو أَو زمانية شرطية ، والمعنى استقيموا لهم فى زمان استقاموا لكم فيه ، ويجوز أَن تكون مصدرية ظرفية وزيدت الفاء بعدها لشبهها بالشرط فى التعليق والمصدر معلق باستقيموا لهم استقامتهم لكم ، أَى مدة استقامتهم لكم ، أَو المصدر مفعول مطلق ، أَى استقيموا لهم استقامتهم لكم ، أَى مثل استقامتهم ، وأَجاز ابن مالك الجزم بما المصدرية الظرفية ، وقوله « إِلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام » إِلخ . . مثل قوله ﴿ إِلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ﴾ إِلخ . . قيد الأَول بقوله « ثم لم ينقصوكم » إِلخ « ، والثانى بقوله » فما استقاموا « فكلاهما فيه تقييد ، وكذا قيد الأَول بوجوب إِتمام العهد مرتباً على عدم النقض ومظاهرة عليهم ، وقيد الثانى بوجوب الاستقامة مرتباً على استقامتهم بإِتمام العهد ﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ ومن الاتقاء الاستقامة لهم ما داموا مستقيمين . وقد استقام صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لقريش حتى نقضوا العهد بإِعانة بنى بكر الذين فى عهدهم على خزاعة الذين فى عهده صلى الله عليه وسلم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٤٢