[سورة التوبة — آية 18]
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ما صح لهم ولا استقام ﴿ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ على الحقيقة ، لأن من كان كافرا ، فليس من شأنه أن يعمرها ؛ لأن حقيقة عمارة المساجد أن تعمر بعبادة الله وحده ، لا لغرض سواها ؛ ومن كان بمعزل عن العبادة لله ، فكيف يستقيم منه عمارتها ، بل ذلك من المحال ، ومن تنافي المعاني ، ومن دخلها لغرض دنياوي فقد تعدّى أمر الله من حيث أنه استعملها لغير ما جعلت له ، كما قال : ( ومن يرد فيه يإلحاد بظلم ..... ) ، الآية ، وقال : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) أي : تمنع وتطهر عن الأمور الدنياوية ( ويذكر فيها اسمه ) فقد جعلت للذكر كما قال : ( طهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ) ؛ ﴿ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ باعترافهم بعبادة غير الله بلسان مقالهم أو لسان حالهم ، والمعنى : ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين : عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته ، ﴿ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ وإذا وحدت المساجد بين ظهراني من يقدر على عمارتها خربة من العمارة بالذكر ، ومخروبة بأعمال الدنيا ، فذلك دليل على أن قلوبهم خالية من الذكر ، خربة مشحونة بالوساوس اللغوية والأوهام الباطلة ، كما قال :
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ ﴾ عمارتها بالعبادة لله ، لأنها بنيت لذلك وللذكر ، ومن الذكر درس العلم ، ويمنعها عن الذكر جميع الأمور الدنياوية الشاغلة ، إلا من دخلها للذكر ، ثم عرض له أمر دنياوي مما لا يوعثها ولا يضر بها ولا يكر بها ، ولا يؤذي القائمين بها للذاكرين فيها ، من قول أو عمل ، أو نوم ففيه خلاف بين المسلمين بالرأي ، فقيل : فيه المنع ، وقيل : بالترخيص ، وأما ما يقع منه الأذى للمسجد أو عماره ، فذلك ممنوع بالإجماع ، ولو كان قصده عند الدخول للعمارة ، ولحقه اسم الظلم والتعدي بذلك ، كما قال : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ..... ) الآية . وكذلك من قصدها بالدخول لذلك الفعل لا للذكر ، ولو كان مما لا يضر بها ولا يضر بالقائمين بها ، فذلك لاينساغ جوازه . ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ﴾ وفي قوله : ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ ﴾ تنبيه على الإخلاص ، والمراد : الخشية في أبواب الدين ، بأن لا يختار على رضى الله رضى غيره لتوقع مخوف ؛ إذ المؤمن يخشى المحاذير ولا يتمالك لا يخشاها [كذا] ؛ ﴿ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء ، وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم ؛ والمعنى : إنما تستقيم عمارة هؤلاء ويكون معتدا بها عند الله دون من سواهم .