[سورة يوسف — آية 51]
﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ﴾ الريان لما أَخبره الساقى بتأْويل الرؤيا يوسف ﴿ ائْتُونِى بِهِ ﴾ أَى بيوسف بهذا المعبر لرؤياى تعبيراً لائِقاَ غريباً لعلمه وفضله ﴿ فَلَمَّا جاءَه ﴾ أَى يوسف ﴿ الرَّسُولُ ﴾ ليخرجه من السجن إلى الملك ، وقال اخرج بإِذن الملك الريان وأَته ، وهو الذى استفتاه وهو الساقى ، ﴿ قَالَ ارْجع إِلَى رَبِّكَ ﴾ سيدك لاريان ﴿ فاسْأَلْهُ مَا بَالَُ ﴾ شأْن ﴿ النِّسْوةِ اللاَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ لأَنه إِذا أَقررن بما علمن من شأْنه معهن ومع امرأَة العزيز المقرة باستعصامه تحقق على المعتاد عنده أَنه برىءٌ وفى الأَية حث الإِنسان على نفى التهم عنه ، روى أَن رجلا مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه امرأَة فقال : « هذه زوجى » وفى رواية « هذه زوجى فلانة » فقال : كل من أَظن به لا أَظن بك . فقال صلى الله عليه وسلم : « إِن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم » يعنى فقد يمكن أَن تظن بى ، وكان الزمخشرى يقضى بين الناس المعتزلة وغيرهم لأَن أَمر القضاءِ لا يخاف منه نزغة اعتزالية لأَنه ليس ديانة ، وكل بلد دخله قاضياً أَخبرهم أَن رجله سقطت لثلج فى سفر لا لجناية ، وكان يمشى بخشبة ، وقوله : فاسأَله ما بال النسوة ، أَو عد من قوله فاسأَله أَن يفتش عن حالهن لأَنه إِن قال اسأْله أَن يفتش ، وكان ذلك حكماً عليه فقد يأْنف ويلغيه بخلاف السؤَال عن حالهن فقد يحركه للبحث بلا أَنفة لأَن النفس تحب الاطلاع على ما خفى؛ ولأَنه يأْنف أَن يمسك عن شىءٍ جاهلا له مع أَنه قد طلب بمعرفته ، ولم يتعرض لامرأَة العزيز مع أَنها السبب فى تلك الشدائِد تأدباً معها وإِكراماً لها ، ولأَنها قد أَقرت وافتضحت ولأَنه خاف أَن تزيد فيه مركا آخر وهو يراها على ضلالها القديم ، ولذلك التأَدب قابلته بإِقرارها بنزاهته ، واستعمل الجميل مع النسوة إِذا اقتصر على ذكر التقطيع والكيد دون ذكر المراودة ﴿ إِنَّ ربِّى ﴾ الله ، وزعم بعض أَن المراد أَن سيدى الريان وهو عالم بأَمرهن مع يوسف ﴿ بِكَيْدِهِنَّ ﴾ قولهن أَطع مولاتك ومراودتهن له إِلى أَنفسهن ، وقيل الضمير للنساءِ مطلقا على طريق الاستخدام فتدخل هؤلاءِ النسوةِ بالأَولى والبرهان والأَول أَولى ﴿ عَلِيمٌ ﴾ استعظم كيدهن فاستشهد عليه بعلم الله وعلى براءَته من ذلك ، وفى ذلك تضمن الوعيد لهن عند الله فإن الصحيح أَن ربى بمعنى الله ، ولو جاز أَن يكون الريان على أَن لفظ ربى يقال للملك ، أَو باعتبار ما يقال فى العامة له من الملك لأَو متسبب منه ، أَو اعتبار أَن يوسف مرمى بالعبودية ، ومايقال لأَنه رباه لا يظهر لأَنه رباه العزيز إِلا أَن يقال : مال العزيز من الملك أَو متسبب منه ولم يعجل بالخروج ليبرىىءَ ساحته أَولا فلا يجد أَحد إِليه سبيلا بالريبة والتهمة ، والبهتان ، على أَنه علم بالوحى أَو الإِلهام أَنه يقررن فلا ينظر إِليه الملك بالعين لأُولى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« رحم الله أَخى يوسف لو دعيت من السجن لأَعجلت الخروج » ولفظ الطبرانى وابن راهويه وابن مردويه عن ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهم : لو كنت مكانه ولبثت فى السجن ما لبث لأَسرعت الإِجابة ، وفى رواية : « لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئِل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أَخبرتهم حتى يخرجونى ، ولقد عجبت منه حين أَتاه الرسول فقال : راجع إِلى ربك ، ولو كنت مكانه ولبثت فى السجن ما لبث لأَسرعت الإِجابة وبادرتهم الباب ، ولما ابتغيت العذر إِن كان لحليما ذا أَناة » قال صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعا ، وإِلا فحلمه وصبره ليس دون يوسف ، وقوله : يغفر الله له توقير كما يقال : عفا الله عنك ما جوابك ، أَو قال : غفر الله له لاشتغاله بإِظهار براءَة نفسه عن تبليغ التوحيد ، وفيه أَن الاشتغال بذلك شهيد لقبول قوله : لأَن الأَنبياءَ مبرءُون عما يتهمون به ، أَو قال صلى الله عليه وسلم : لو كنت إِلخ تعليما للسامعين ، لانتهاز الفرصة ، وقد يظهر للملك أَمر يمنع من إِخراجه حين تأَخره عن الخروج ، أَو ذلك جرى على مقتضى سعة رحمة الله أًكثر من وسعها على غيرها ﴿ قَالَ ﴾ الملك ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ الخطب الأَمر العظيم الذى يحق أَن يخاطب فى شأْنه أَو لأَجله صاحبه ، ويخطب فيه الناس ، ولذا قال الجوهرى : الخطب سبب الأَمر ﴿ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُف عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أَراد زليخاءَ أَو راعيل ، والاسمان لامرأَة العزيز ، وهى التى راودته وحدها ، وخاطبهن بالمراودة كلهن سترا عليها وهى فى جملتهن حاضرة ، فذلك حكم على المجموع كل لا كلية ، وقيل : راودنه كلهن ، وقيل : عد قولهن أَطع مولاتك مراودة؛ لأَن قولهن تحصيل لمراودته زليخاءَ ، وكذا يوسف ، إِذ قال : ما بال النسوة ، ولم يقل ما بال زليخاءَ فعلت ما فعلت ، إِبقاءً عليها وأَدبا معها ومراعاة لما سبق من إِكرامها إِياه وإِذ متعلق بخطب ، إِذ المعنى؛ ما فعلتن إِذ راودتن يوسف عن نفسه؟ هل وجدتن منه ميلا إِليكن ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا علِمْنَا علَيْهِ مِنْ سُوءٍ ﴾ زنا أَو إِشارة إِليه أَو خيانة أَو ذنبا ، وذلك تعجب من قدرة الله تعالى على خلق عفة يوسف مع وجود الملاذ ، وذلك بعد إطلاعهن على براءَته ، وسمى الذنب سوءاً؛ لأَن القلب يغتم به ﴿ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ﴾ تبين بعد خفاءِ قاله الخليل ابن أَحمد - رحمه الله - أَو بانت حصة الحق من حصة الباطل وتميزت ، وهو راجع إِلى ما قال الخليل ، وقيل معناه ثبت ورسخ ، كما يقال حصحص البعير القرب مجازا ، فيصح على الماضى والمستقبل ، وهو اسم لدخول أَل وحرف الجر ، يقال إِلى الآن ومن الآن بفتح النون وهل ولعل ، وضع من أَول الأَمر على أَن المعنى الإِشارة ، فلا يعترض بأَن اسم الإِشارة لا يدخله أَل وأَلفه عن واو لأَنه يفسر بالأَوان ، أَو عن ياءٍ من آن يئِين قرب ، واعترض بأَنه ليس بمعنى القرب ﴿ أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ لا هو راودنى ، ومثل هذا اختصاص هو كالحصر كقوله : أَنا فعلت أَى لا غيرى ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ فى قوله : هى راودتنى ، هذا أولى من قولها إِنه لصادق؛ لأَتنه كالبرهان ، قالت ذلك لما رأَت منه الستر عليها ومراعاة الأَدب معها ، إِذ قال : ما بال النسوة ، ولم يذكرها مع أَن الفتنة كلها من جهتها .