الفصل الخامس : في السبب الذي دخل النصارى بلاد الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٥١واطلع مروان بن الحكم على صيغة له بالغوطة فأنكر منها شيئاً ، فقال لوكيله : ويحك إني لأظنك تخونني ، قال : أتظن ذلك ولا تستيقنه ، قال : وتفعل ! قال : نعم والله إني لأخونك وإنك لتخون أمير المؤمنين ، وإن أمير المؤمنين ليخون الله ، فلعن الله أشر الثلاثة ، وكان مروان يومئذ عاملا لمعاوية على المدينة بينما المنصور في الطواف بالبيت العتيق ليلاً إذ سمع قائلاً يقول : اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع ، فجزع المنصور فجلس بناحية من المسجد ، وأرسل إلى الرجل ، فصلى ركعتين ، واستلم الركن ، وأقبل مع الرسول ، فسلم عليه بالخلافة ، فقال المنصور : ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض ، وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع ، فوالله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني ، فقال : إن أمنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها ، وإلا احتجرت منك واقتصرت على نفسي فلي فيها شاغل ، قال : فأنت آمن على نفسك فقل ، فقال : يا أمير المؤمنين إن الذي دخله الطمع وحال بينه وبين ما ظهر في الأرض من الفساد والبغي لأنت ، فقال : ويحك يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي ، والحلو والحامض عندي ، قال : وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك ، إن الله استرعاك أمر عباده وأموالهم فغفلت أمورهم ، واهتممت بجمع أموالهم ، وجعلت بينك وبينهم حجاباً من الجص والآجر وأبوابا من الحديد ، وحراسا معهم السلاح ، ثم سجنت نفسك عنهم فيها ، وبعثت عمالك في جبايات الأموال وجمعها ، وأمرت أن لا يدخل عليك أحد من الرجال إلا فلان وفلان ، نفرا سميتهم ، ولم تأمر باصال المظلوم ، ولا الملهوف ، ولا الجائع العاري إليك ، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق ، فلما رأى هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك ، وآثرتهم على رعيتك ، وأمرت أن لا يحجبوا دونك ، تجبي الأموال وتجمعها ، قالوا : قد خان الله فما لنا لا نخونه ،