النَّشأة والتَّطوُّر
الجزء ١ · صفحة ٤٣4. العامل الأدبي:
إنَّ الحقل الأدبي يحتلُّ مكانة بارزة في الحياة الثَّقافيَّة للأمم والشُّعوب، وإذ يقوم بتغذية العواطف وتنمية الأحاسيس والوجدانات، ويسعى إلى الرُّقيِّ والارتفاع إلى معاينة الوجود في طهره ونقائه. فهو ضروري للنَّفس الإنسانيَّة ضرورة الغذاء للأجسام، وبدونه ستكون عرضة للاختناقات والاضطرابات المتتالية .... والنَّفس حقل مهيَّأ للإنبات، فإمَّا أن يزرع فيه بذور الأدب الإسلامي الباني، وإمَّا أن يفسح المجال للأدب الانطوائي، وشعر الخواء حسب تعبير جيدون سيمور (1). ونفسيَّة المسلم لا تندُّ عن هذا الإطار، فهي في حاجة إلى غذاء أدبي ملائم، والإرهاصات عرضة للأمراض الأدبيَّة المتعدِّدة التي تنتج حتمًا على مطالعة الأدب العبثي (2).
من هنا طرحت لدى الأدباء المسلمين ضرورة إيجاد البديل الأدبي - وَفق رؤية إسلاميَّة مسبقة - يستطيع تغذية العاطفة الإنسانيَّة وبنائها بناء يليق بمستوى الدُّور الحضاري المناط بالإنسانيَّة جمعاء (3).
هذه أهمُّ العوامل التي أسهمت في بعث الرُّؤية الإسلاميَّة وبلورتها في الأدب الإسلامي الحديث، فانطلقت التَّجارب الإبداعيَّة والنَّقديَّة في شتَّى المجالات، وفتحت لها الآفاق؛ ممتدَّة في فضاء الآداب الإنسانيَّة، ممَّا جعلها تتميَّز بخصائص معيَّنة، وتظهر بملامح واضحة ومعالم محدَّدة.
هكذا ظهرت مدرسة الأدب الإسلامي الحديث التي حملت لواء الرُّؤية الإسلاميَّة على يد فنَّانين ومبدعين مثل: محمد إقبال، ومحمود حسن إسماعيل، وأحمد مطر، ومصطفى الغماري، ومحمد ناصر، وعدنان النَّحوي، وجماعة المشكاة في المغرب والشَّاعر الأمير محمد بن راشد آل مكتوم … كما برزت على يد كبار المنظِّرين المعاصرين، مثل سيِّد قطب، ومحمد
(1) مجلَّة "فصول" المجلَّد الخامس، العدد الثَّاني، 1985 م، ص 228، عن محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 26.
(2) المرجع نفسه.
(3) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 26.