الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

النَّشأة والتَّطوُّر

الجزء ١ · صفحة ٤٢

وسائل فنِّيَّة جديدة، ولن تحقِّقها في ظلِّ الاهتزازات والتَّحوُّلات الفكريَّة المباشرة، بل لابدَّ من زمن طويل، وهنا تكمن فرادة الرُّؤية الإسلاميَّة؛ باعتبارها أرقى النَّشاطات الإنسانيَّة، التي يتداخل فيها العاطفي بالفكري والاجتماعي وغيرها من العناصر الأخرى.

2. العامل النَّفسي:

إنَّ الاستقرار العقدي لدى الأديب المسلم، اصطدم بالواقع الاجتماعي المنحرف، فخلق لديه توتُّرا لا مثيل له … لقد أصبح يعيش الغربة في أقصى أشكالها، هو الذي من أجله وجدت الأكوان، لكنَّه الآن لا ينعم بشبر يتنفَّس فيه الصُّعداء ويشعر فيه بذرَّة من الرَّاحة والاستقرار … والسَّبب في ذلك التَّوتُّر يعود أساسًا إلى المظاهر السِّلبيَّة التي يطفح بها المجتمع العربي في كافَّة مستوياته (1).

3. العامل الاجتماعي:

أمام المفارقات الحضاريَّة التي تعيشها المجتمعات العربيَّة المعاصرة، أصبح لزامًا على الأديب المسلم أن يتَّخذ موقفًا بديلاً، سيَّما أنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة جدُّ اجتماعيَّة، وتأبى عليه الانعزال عن المجتمع … ويكفي أن نشير إلى قول الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن الذي يخالط النَّاس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط النَّاس ولا يصبر على أذاهم … » (2)، هذا بالنَّسبة للمؤمن العادي، فما بالك بالأديب: ضمير الأمَّة ومجهرها، ومن ثمَّ فقد أخذت الرُّؤية الإسلاميَّة للأديب على عاتقها مهمَّة الاهتمام بشؤون المجتمع وقضاياه، فازدهر الأدب السَّائر في هذا الاتِّجاه، أملاً أن يجد الصِّيغة النَّاقضة للأدب بصورته الحداثيَّة الانعزالية التي تمجِّد الذَّات وتنغلق عليها.

(1) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 25.

(2) رواه التِّرمذي وابن ماجة وأحمد في المسند عن ابن عمر رضي الله عنهما، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع الصَّغير، المرجع نفسه.