الفصل الثاني أدلة المثبتين للرؤية
الجزء ١ · صفحة ٤٤-ب
أن هذا التأويل هو الذي يتفق مع ما في خاتمة عبس، وهو قوله سبحانه: (وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة) (1)، إذ لا فارق بين ما وصفت به وجوه المؤمنين هنا من الاستبشار، ووصفت به في آي القيامة من النظر بمعنى الانتظار، فإن المنتظر للرحمة مستبشر بها والمستبشر منتظر لما استبشر به.
-ج
أن تقديم المعمول على عامله يؤذن بقصره عليه، فتقديم (إلى ربها) على (ناظرة) يؤذن أنها لا تنظر إلا إليه وهو لا يتفق إلا مع تفسير النظر بالانتظار، فلو كان المراد به الرؤية لاقتضى أنهم لا يرون شيئاً غيره تعالى مع ما هو معروف عقلاً ونقلاً من رؤية بعضهم لبعض، ورؤيتهم لما أعد الله لهم من النعيم.
-د
وأنكر المثبتون تفسير النظر بالانتظار من ثلاثة أوجه:
أن في الانتظار تنغيصاً يتنافى مع إكرام الله لعباده الأوفياء يوم القيامة
أولها
أن انتظار رحمة الله من قبل عباده المؤمنين أمر حاصل في الدنيا، فكيف يوعدون به في الآخرة
ثانيها
أن تعدية النظر بإلى تمنع من حمله على الانتظار، خصوصاً إذا أسند إلى الوجوه
ثالثهما
وكل ذلك مردود:
فلأن الآيات تصور لنا الموقف يوم القيامة قبل أن ينتقل الأبرار إلى دار الثواب، والفجار إلى دار العقاب، بدليل السياق في الآيات السابقة، وقوله سبحانه في الأشقياء (تظن أن يفعل بها فاقرة) يؤكده فإن ذلك قبل دخول النار قطعاً إذ لا معنى لظنهم ذلك بعد الدخول وقد لقوا ما لقوه وحلت بهم الفاقرة التي كانوا يتوقعونها، ولا ريب أن الناس في الموقف متباينة أحوالهم، فالأبرار ناضرة وجوههم بانتظارهم رحمة الله التي وُعِدوها، والفجار على خلاف ذلك،
(1) / الآيات 38 - 41 من سورة عبس