الفصل الثاني أدلة المثبتين للرؤية
الجزء ١ · صفحة ٤٦كل الخلائق ينظرون سجاله نظر الحجيج إلى طلوع هلال
ولا وجه للتفرقة بين كونه مسنداً إلى الوجوه أو إلى غيرها، فإنه تحكم لا دليل عليه، على أنه جاء بهذا المعنى مع إسناده إلى الوجوه في كلام العرب، ومنه قول حسان
وجوه يوم بدرٍ ناظرات إلى الرحمن يأتي بالفلاح
وقول البُعيث
وجوه بَهَالِيلِ الحجاز على الهوى إلى مَلِكٍ كهف الخلائق ناظرة
فإن قيل إن الانتظار محله القلوب لا الوجوه؛ فلذلك تعين حمل النظر في الآية على الرؤية لا على الانتظار؛ لأن الوجوه محل للأبصار التي هي آلة الرؤية؟
فجوابه: أن الرؤية أيضاً لا تكون بالوجوه وإنما تكون بالعيون فإسنادها إلى الوجوه غير وارد إذ لم يعهد قول أحد رأيته بوجهي، ويتعذر جواز ذلك قطعاً على رأي الذي ينكر المجاز مطلقاً أو في القرآن خاصة كما هو شأن كثير من مثبتي الرؤية، أما نحن فنحمل الوجوه على أصحابها لأن ذلك معهود عند العرب كقولهم: (قصدت وجهك) بمعنى قصدتك، فالانتظار وإن أسند إلى الوجوه لفظاً فهو لأصحابها معنىً، ولذلك جاز إسناد الظن إليها في قوله: (تظن أن يفعل بها فاقرة) (1)، كما جاز إسناد الخشوع والعمل والنصب إليها في قوله تعالى: (وجوه يومئذ خاشعة، عاملة ناصبة) (2)، ويؤكده قوله من بعد: (تصلى ناراً حامية، تسقى من عين آنية، ليس لهم طعام إلا من ضريع) (3)، فإن الصلى غير خاص بالوجوه، والسقي والطعام لأصحاب الوجوه قطعاً، ومثله إسناد النعمة والسعي والرضى إلى الوجوه في قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية) (4)
وأما الثالث
وبجانب كل ما ذكرته فإن تفسير النظر في الآية بالانتظار مروي عن
(1) / الآية 25 من سورة القيامة
(2) / الآيتان 2 و 3 من سورة الغاشية
(3) / الآيات 4 - 6 من سورة الغاشية
(4) / الآيتان 8 و 9 من سورة الغاشية