الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثاني أدلة المثبتين للرؤية

الجزء ١ · صفحة ٤٨

يوم القيامة) (1)، فإنه لو حمل النظر في الآية على الرؤية لأدى إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يرى هؤلاء يوم القيامة، وهذا عين المحال، واعتقاده رأس الضلال، فإنه كفر بالله تعالى، ولا وجه لحمل النظر هنا إلا على الرحمة والإحسان، ومن هنا نتبين أن نظر القوي إلى الضعيف هو عطفه ورحمته، وأن نظر الضعيف إلى القوي هو انتظار ذلك منه.

هذا وقد اتضح لك مما سبق أن الآية الكريمة تصور لنا حال الناس في الموقف قبل نقل السعداء إلى دار النعيم والأشقياء إلى نار الجحيم، ولئِن كان النظر فيها بمعنى الرؤية وكان الراؤون له تعالى تنضر وجوههم بهذه الرؤية، لزم أن تشمل هذه الحالة منافقي هذه الأمة لأنهم يشتركون مع مؤمنيها في الرؤية حسبما يقتضيه حديث أبي سعيد وأبي هريرة عند الشيخين الذي يستند إليه مثبتو الرؤية كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

وقد أشكل على المثبتين للرؤية إسناد النظر في آية القيامة إلى الوجوه، فترددوا بين القول بأن الرؤية بالبصر أو بالوجوه أو بالجسم كله أو بحاسة سادسة، وما هذا الاضطراب إلا دليل بيِّن على أنهم غير مستندين إلى أصلٍ فيما قالوه، ولو أنهم فهموا الآية الكريمة فهماً صحيحاً، وحملوها على ما يقتضيه السياق واللغة لسلموا من هذا الاضطراب، وبعدوا عن هذا التيه.

وقد أدرك المحققون المنصفون من معتقدي الرؤية ضعف الاستدلال على ثبوت الرؤية بهذه الحجة فصرحوا بذلك، فالسيد محمد رشيد رضا يقول في " المنار": (وأما رؤية الرب تعالى فربما قيل بادئ الرأي إن آيات النفي فيها أصرح من آيات الإثبات كقوله تعالى: (لن تراني) (2)، وقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) الآية 103 من سورة الأنعام، فهما أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) على الإثبات، فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وكلام

(1) / الآية 77 من سورة آل عمران

(2) / الآية 143 من سورة الأعراف

٤٨ / ٢٣٩