الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثالث- في أدلة النافين

الجزء ١ · صفحة ٧٢

وتصاريف لفظة الإدراك دالة على هذا، فقوله تعالى: (حتى إذا اداركوا فيها) لا يقصد به أن كل فريق منهم أحاط بغيره وإنما هو أن كل فريق لحق سابقه.

واستشهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على نفى الرؤية بهذه الآية الكريمة من أوضح الأدلة وأبينها، وأقوى الشواهد وأقطعها بأن الإدراك إذا أسند إلى الأبصار لا يكون إلا بمعنى الرؤية، فإنهم رضي الله تعالى عنهم عرب أقحاح طُبِعوا على فصيح الكلام العربي بتربيتهم العربية الأصيلة، وزادهم القرآن الكريم الذي كان ينزل بين ظهرانيهم علماً بمعانيها، وخبرة باستعمالها، فأنَّى لهم أن يجهلوا الفرق بين رؤية البصر وإدراكه لو كان بينهما فرق؟

ومما روي عنهم في ذلك ما أخرجه الإمام الربيع في مسنده، والشيخان في صحيحيهما عن مسروق قال: "كنت متكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئا فجلست وقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل: (ولقد رآه بالأفق المبين)، (ولقد رآه نزلة أخرى) فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هو جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض. فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) .. الخ.

٧٢ / ٢٣٩