الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثالث- في أدلة النافين

الجزء ١ · صفحة ٨٤

وإن تعجب فعجب أن يكون الفخر الذي اتخذ من قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) سُلَّماً إلى القطع بثبوت الرؤية قلباً للحقيقة وعكسا للحجة، هو الذي يقول في تأصيلاته بأن دلائل الألفاظ على المعاني لا تتجاوز الظن كما هو صريح في قوله: "دلالة الألفاظ على معانيها ظنية لأنها موقوفة على نقل اللغات ونقل الإعرابات والتصريفات مع أن أول أحوال تلك الناقلين أنهم كانوا آحاداً، ورواية الآحاد لا تفيد إلا الظن، وأيضا فتلك الدلائل موقوفة على عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم النقل، وعدم الإجمال، وعدم التخصيص، وعدم المعارض العقلي، فإن بتقدير حصوله يجب صرف اللفظ إلى المجاز، ولا شك أن اعتقاد هذه المقدمات ظن محض، والموقوف على الظن أولى أن يكون ظنا". (1)

فانظر كيف يجعل الفخر دلالة الألفاظ على المعاني الموضوعة لها ظنية، مع جعله دلالتها على ضد تلك المعاني قطعية.

والخلاصة من كل ما تقدم أن دلالة الآية الكريمة على انتفاء رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة دلالة قاطعة، وكل ما تعلق به القائلون بخلاف ذلك لا يتجاوز أن يكون ضبابا من الوهم، لا يلبث أن يتلاشى بإشراق مس الحقيقة، ويؤيد نصيتها على ذلك تذييلها بقوله تعالى: (وهو اللطيف الخبير) فإن قوله: (اللطيف) كالتعليل لقوله: (لا تدركه الأبصار) وقوله: (الخبير) كالتعليل لقوله: (وهو يدرك الأبصار) والصفتان المذكورتان من صفات ذاته تعالى لا تتبدلان أزلاً وأبداً؛ أما الخبير فكونه من صفات الذات ظاهر لأنه كالعليم، وأما اللطيف فلأنه - كما يقول الإمام ابن عاشور: "صفة مشبهة تدل على صفة من صفات ذات الله تعالى، وهي صفة تنزيهه تعالى عن إحاطة العقول بماهيته، أو إحاطة الحواس بذاته

(1) / التفسير الكبير ج1 ص28 ط2 دار الكتب العلمية - طهران، وقد بيَّن بطلان ما أصَّله الفخر هنا الإمام نور الدين السَّالمي رحمه الله في طلعة الشمس: ج1 ص30 ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان

٨٤ / ٢٣٩