الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثالث- في أدلة النافين

الجزء ١ · صفحة ٨٦

عز وجل عالما بسريرته، فإن مثل ذلك مثل الاستغفار باللسان، والإخبار بالقول عن عقد العزم على عدم العودة إلى المعصية، مع أن الله عليم بالسرائر لا يخفى عليه شيء مما اشتملت عليه حنايا الضمائر.

و " لن " تفيد تأكيد النفي أو تأييده، أو هما معاً، فتحصّل من جميع ذلك أن رؤيته تعالى مستحيلة، لأن امتناعها لأمر يتعلق بذاته تعالى وهو كونها غير قابلة لأن ترى، وإلى ذلك الإشارة بالتنزيه الذي صُدر به الاعتذار في قوله موسى عليه السلام، ولو كان لأحد مطمع في حصول الرؤية لما آيس الله منها عبده موسى الذي اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه. واعترض هذا الاستدلال بأن هذا النفي مقيد بالحياة الدنيوية، لأن الإنسان فيها مفطور على الفناء، فلذلك لم يكن أهلا لرؤية الباقي تعالى، كما اعترض بأن الجواب لم يكن بصيغة تفيد أن الله لا يرى، لأن الرؤية المنفية في صيغته أسندت إلى موسى عليه السلام فهي لا تفيد عموم النفي بخلاف ما لو كان الجواب لا أُرى.

قال الألوسي: "ومن المحققين من استند في دلالة الآية على إمكانها بغير ما تقدم أيضا، وهو أنه تعالى أحال انتفاء الرؤية على عجز الرائي وضعفه عنها حيث قال له: (لن تراني) ولو كانت رؤيته تعالى غير جائزة لكان الجواب لست بمرئي، ألا ترى لو قال: أرني أنظر إلى صورتك ومكانك، لم يحسن في الجواب أن يقال: لن ترى صورتي ولا مكاني، بل الحسن لست بذي صورة ولا مكان" (1).

وعوَّل كثير من مثبتي الرؤية على إنكار تأبيد النفي بلن، ومما أستقر

(1) / روح المعاني ج9 ص50، دار إحياء التراث العربي

٨٦ / ٢٣٩