الفصل الثالث- في أدلة النافين
الجزء ١ · صفحة ٨٧في ذاكرتي من ذلك ما نقله السيوطي في شرحه لعقود الجمان عند قوله:
ثم للتأكيد لن ونفي ما كان حصوله يَظُنُّ
قيل وللتأبيد لكن تركا وخصه لا ابن خطيب زملكا
عن ابن الخطيب الزملكاني أنه فرق بين (لن) و (لا) النافيتين فقال بانقطاع النفي بأولاهما ودوام النفي بأخراهما أخذاً من أداء الحرفين في النطق لأن (لن) منقطعة في النطق و (لا) ممدودة ومثل لذلك بقوله تعالى في النفي بلن: (لن تراني) وبقوله سبحانه في النفي بلا: (لا تدركه الأبصار) بناءً على تفرقتهم بين الرؤية والإدراك كما تقدم، وأخذ من ذلك أن نفي الرؤية منقطع لأنه ينتهي بانتهاء الدنيا بخلاف نفي الإدراك، وأقوى ما عولوا عليه في نفي تأييد النفي بلن قوله تعالى في اليهود: (ولن يتمنوه أبدا) الآية 95 من سورة البقرة، مع قوله سبحانه في أهل النار عموما: (ونادوا يا مالك ليقْض علينا ربك) الآية 77 من سورة الزخرف
والجواب أن كون هذا النفي مقيداً بالحياة الدنيا دون الآخرة، دعوى لم يقم عليها دليل، فإن صفات الله لا تتبدل، وكبرياءه لا تتحول، وما سبق من الأدلة على أن رؤيته تعالى منافية لكبريائه كافٍ في دحض هذا الزعم.
وأما دعوى أن صيغة الجواب لا تفيد عموم النفي فهي مردودة بأن الجواب لم يكون إلا مطابقا للسؤال، ومما تدركه العقول أن نفي حصول الرؤية لموسى عليه السلام قاض بنفي حصولها لغيره، لأنها لو كانت ممكنة لكان أحق بها لما اختصه الله تعالى به من مزايا وآتاه من مواهب من بينها اصطفاؤه بالرسالة والتكليم، فهو جواب واضح لا غبار عليه بخلاف لن ترى صورتي أو لن ترى مكاني في جواب أرني صورتك أو أرني مكانك، لما يتضمنه من إثبات الصورة والمكان.