الفصل الثالث- في أدلة النافين
الجزء ١ · صفحة ٩٠وبنو إسرائيل أنفسهم - مع تتابع عنتهم وإصرارهم على الشقاق والتحدي - لم يعاقبوا بمثل هذا العقاب الرهيب إلا على هذا السؤال ..
-4
وأما من السنة فيما يلي
ما رواه الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)، ووجه الاستدلال به صراحته في عدم رؤيتهم لله لحيلولة رداء الكبرياء بينهم وبين ذلك، والكبرياء صفة ذاتية لله عز وجل لا يمكن أن يتخلى عنها كما لا يتخلى عن القدرة، أو العلم، أو الإرادة، أو الحياة أو السمع، أو البصر، إذ لو تخلى عنها في أي لحظة لكان منقلبا عنها إلى ضدها وهو الصغار المنافي لربوبيته تعالى، فمن ادَّعى مع هذا النفي رؤيته سبحانه لزمه سلب الكبرياء عن الذات العلية.
وإضافة الرداء إلى الكبرياء في الحديث من باب إضافة المشبه به إلى المشبه، كذهب الأصيل ولجين الماء في قول الشاعر:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ذهب الأصيل على لجين الماء
وفيها إشارة إلى تشبيه الكبرياء بالرداء بأسلوب التشبيه البليغ حسبما جاء في الحديث القدسي وهو قوله سبحانه "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري"، وما معناه إلا أنه تعالى مختص بهما كاختصاص أحدنا بردائه وإزاره، فليس لأحد أن يتطاول فينازعه فيهما، وقد صرح بذلك آخر الحديث وهو قوله: (فمن نازعني فيهما أدخلته النار ولا أبالي).
فإن قيل ما بالكم حملتم النظر في مقام النفي على الرؤية مع حملكم إياه في مقام الإثبات على الانتظار كما قلتم في آية القيامة وحديث صهيب؟. فالجواب أن حمله على الانتظار هناك لأن هذا المعنى هو الذي يتفق