الفصل الثالث- في أدلة النافين
الجزء ١ · صفحة ٨٩-3
ما جاء في آيات الكتاب من الإنكار البالغ والتقريع الشديد للذين سألوا الرؤية من اليهود والمشركين، مع تحذير المسلمين من أن يقعوا فيما وقعوا فيه، ومن ذلك قوله تعالى بـ: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة) الآية 153 من سورة النساء، وقوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا) الآية 21 من سورة الفرقان، ثم أتبع ذلك بيان حالهم عندما يرون الملائكة: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا) الآية 22 من سورة الفرقان، وسكت عن رؤية الله تعالى لما في سؤالها من التعنت البالغ والكفر العظيم، وقوله: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل) الآية 108 من سورة البقرة، ووجه الاستدلال بذلك ما في هذا الإنكار من الدلالة الواضحة على أن الذين سألوها تخطوا جميع الحواجز، واقتحموا كل السدود حتى داسوا حمىً محجوراً وحاولوا أمراً مستحيلاً، ولذلك عوقت بنو إسرائيل بالصاعقة على هذا السؤال، مع أنهم لم يعاقبوا بمثلها على جميع ما كانوا يأتونه من الفظائع، حتى عبادتهم للعجل. فإن قيل إن الإنكار ليس هو على السؤال ذاته وإنما هو على التعنت. فجوابه نعم أنكر عليهم التعنت في كل شيء، ولكنه جعل سؤال الرؤية أكبر من ذلك كله، كما في قوله: (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) وكم تطاولت الأمم على أنبيائها متحدية لهم بطلب الآيات - كما هو ثابت بالتواتر - ولم تكن عقوبتهم على هذا الطلب كعقوبة بني إسرائيل على طلبهم الرؤية، وحسبكم أن موسى سلام الله عليه صعق بمجرد سؤالها، مع أنه لم يقصد به إلا صرفهم عن الباطل وإقناعهم بالحق، وما كاد يفيق من صعقته حتى بادر إلى التنزيه والتوبة والاعتذار وإعلان عقيدة التنزيه التي كان منطويا عليها.