الفصل الثالث- في أدلة النافين
الجزء ١ · صفحة ٩٢مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالاً للنعمة، فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء، فكأنه رفع عنهم حجابا كان يمنعهم" (1).
وقد نقل كلامه هذا صاحب المنار، ولم يتعقبه بشيء، مع أنه لا يقل تكلفاً عما قبله، فإن الحديث لا يفيد أن امتناع الرؤية عن الله لشيء في نفوس عباده كالهيبة التي تخشع لها أبصارهم وتوجل منها قلوبهم، وإنما يفيد أن امتناعها لأمر خاص بالذات الإلهية، وهو اتصافه تعالى بالكبرياء وصفات الله تعالى لا تتناقض، ولا تناقضها أفعاله، فقول الحافظ: (فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء) قول تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، فحاشى لله سبحانه أن يفعل ما لا تقتضيه صفاته الذاتية، كيف وهي أجل المحامد المقتضية لأعظم المدائح، وقد مر بكم من القول في حديث صهيب ما يُغني عن إعادته هنا.
-1
ما أخرجه مسلم عن أبي موسى الأشعري قال:
قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال:
إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام
-أ
يخفض القسط ويرفعه
-ب
يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل
-ج
حجابه النور - وفي رواية النار
-د
لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه
-هـ
ووجه الإستدلال به على امتناع الرؤية ما يقتضيه من تعذر أن ينتهي إليه سبحانه بصر أحد من العباد، والحديث ما أراد به صلوات الله وسلامه عليه إلا تمثيل تعذر وصول عقول البشر إلى كنه الحقيقة الذاتية المقدسة،
(1) / فتح الباري ج13 ص433، المطبعة السلفية