الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثالث- في أدلة النافين

الجزء ١ · صفحة ٩٣

أو امتداد أبصارهم إليها، فإن الرؤية وسيلة من وسائل الاكتناه عادة، وقد فات هذا المعنى صاحب المنار - مع غزارة علمه وثاقب فهمه - ففسَّر الحديث تفسيراً ماديا لا يليق بتنزيه الحق تعالى.

وخلاصة قوله: "أنه بما ثبت أخيراً من أن الكهرباء التي رأى البشر كثيراً من عجائبها هي الأصل في تكوين مادة الكون كله وأطوارها، وهي نور أو مصدر النور، والحركة التي يحدثها النور أو تحدثه، وإذا كان الخالق البارئ المنزه عن نقص المخلوقات التي لا يكمل شيء منها إلا به قد حجب عنها بالنور فلك أن تفهم أن الكهرباء وما جعلها الله أصلا له من تكوين العالم المادي هي الحجاب المانع من رؤية الرب تعالى فيه، وأن انكشاف هذا الحجاب لا يكون إلا في الجنة، وأن انكشافه هو الذي يوصل أهلها إلى أعلى وأكمل درجات المعرفة به تعالى، وهي الرؤية بغير كيف ولا إدراك" (1)

وهذا التفسير وإن قال صاحبه إنه المتفق مع طريقة السلف ودلائل العلم الحديث فإنه مدفوع بأمرين:

أنه يقتضي أن الذات العلية مكتنفة بمخلوقاته تعالى، فإن الكهرباء من جنس مخلوقاته الخفية وهي موجودة في هذا العالم الأرضي مع أن طائفة من مثبتي الرؤية - ومن بينهم صاحب المنار حسب المعتقد الذي صار إليه يحصرون ذات الحق تعالى في الجهة العلوية ويثبتون، استقراره على العرش

أولهما

أن كون الكهرباء منشأ للكون ليس حقيقة ثابتة، وإنما هي نظرية، والنظريات لا تبنى إلا على التخمين والحدس، فلا يجوز أن تفسر بها النصوص الثابتة، وكفى بما في ذلك من خطورة تعريض النصوص للتحول مع تحول هذه النظريات وتناسخها

(1) / حاشية المنار رقم "1" ج9 ص167/ 168، الطبعة الرابعة، الناشر مكتبة القاهرة

٩٣ / ٢٣٩