الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثالث- في أدلة النافين

الجزء ١ · صفحة ٩٤

والقول الفصل أن الحديث الشريف ما هو إلا كناية عن عدم إمكان وصول المخلوق إلى حقيقة ذات الخالق بحاسة ولا فكر، وأمثال هذه الكنايات معروفة في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، بل وفي كلام الله تعالى، ففي الحديث القدسي (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) فلو تقيدنا بقيود الظواهر وانحبسنا في مضيق الألفاظ من غير أن نسرح أبصارنا وأفكارنا في رحاب المقاصد وأبعاد الغايات، لزمنا أن نثبت أن الله سبحانه هو نفس سمع العابد المتنفل المحبوب إلى الله، ونفس بصره ويده ورجله، وهذا ما تأباه عقيدة كل من يؤمن بالله، وإذا أدركت ذلك علمت أن النور أو النار في حديث أبي موسى ليسا حسيين، وإنما هما كناية عما يتجلى للعارفين به تعالى من صفات جلاله وعظمته التي تجعلهم مبهورين بجمال الجلال، وتجلي الكمال، وما يعترض السالكين إليه من مخاطر الانحراف والضلال والعياذ بالله، ولو جاز مثل هذا التفسير الذي انتهجه صاحب المنار لساغ للقائلين بوحدة الوجود أن يفسروا قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض) (1)، بأن المراد به أن ذاته تعالى هي ما يترآى لنا من أنوار في العالم العلوي أو السفلي كالشمس والقمر وسائر الأجرام الفلكية، فيجعلوا من الآية سندا لضلالهم وحجة لكفرهم، تعالى الله عما يقول الأفاكون علوا كبيرا.

-2

ما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال عندما سئل عن رؤيته لربه: (نور أنَّى أراه). ووجه الاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم استبعد فيه حصول الرؤية بقوله: (أنَّى أراه) فإن أنَّى بمعنى كيف، وهو شاهد على استحالة رؤيته تعالى.

(1) / الآية 35 من سورة النور.

٩٤ / ٢٣٩