نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

وقد حاول المفسّرون حلّ هذه الإشكالية على أساس أن الملائكة كما وصفهم الله عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولعل ما أورده الإمام ابن عاشور في بيان وجه الخلاف بين الملائكة وإبليس، هو أدق ما قيل في هذا الموضوع قال: "دلّت الآية على أن إبليس كان مقصودا في الخبر الذي أخبر به الملائكة إذ قال للملائكة (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاََرْضِ خَلِيفَةً) وفي الأمر الذي أمر به الملائكة إذ قال (اسْجُدُواْ لأَدَمَ) ذلك أن جنس المجرّدات كان في ذلك العالم مغمورا بنوع الملك إذ خلق الله من نوعهم أفرادا كثيرة كما دلّت عليه صيغة الجمع في قوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ)، ولم يخلق الله من نوع الجنّ إلا أصلهم وهو "إبليس"، وخلق من نوع الإنسان أصلهم وهو "آدم"، وقد أقام الله إبليس بين الملائكة إقامة ارتياض وتخلّق، وسخّره لاتّباع سننهم فجرى على ذلك السنن أمدًا طويلا لا يعلمه إلا الله، ثم ظهر ما في نوعه من الخبث كما أشار إليه قوله تعالى: (فَفَسَقَ عَنَ اَمْرِ رَبِّهِ) في سورة الكهف، فعصى ربّه حين أمره بالسجود لآدَمَ، وإبليس اسم الشيطان الأول الذي هو مولد الشياطين، فكان إبليس لنوع الشياطين والجن بمنزلة آدم لنوع الإنسان".(1)

قلت: إن مثل هذا التخريج لا يتناقض مع النصوص القرآنية التي عالجت بدء قصة الخليقة، غير أننا لا نستطيع أن نقطع بذلك، مادامت كلها أخباراً غيبيّة، بل الأدب مع الله يقتضي أن نفوّض الأمر إليه في حقيقة ذلك، مادام اللفظ المستعمل وهو"الجنّ" أو"الجِنّة" وهو يعني الستر والخفاء، يستوعب كل تلك الخلائق الخفية التي لا يعلم كنهها إلا الله.

والله أعلم

إسكان آدم وزوجه الجنة، وموقف الشيطان منهما.

أ) - النص:

ب) - التحقيق اللغوي:

(1) - الطاهر بن عاشور، التحرير و التنوير، 1/ 423.

١٠٧ / ٦٬٢٠١