نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٢٢٣(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلآَءِ شَهِيداً): "الفاء" للتّفريع على قوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) أي إذا كان الله لا يضيع مثقال ذرة من أعمال النّاس فكيف يكون حالهم إذا جمعهم الله وجاء بالشّهداء عليهم وهم الرّسل من كلّ أمّة، والنّاس بين مستبشر ومتحسّر. والظّاهر أن الكلام مسوق لجميع الأمة، وجيء بكاف الخطاب للرّسول -عوضا عن الاسم الظّاهر- تشريفا للرّسول بعزّ الحضور، والاستفهام للتّعجيب من حالة المشركين كيف تكون حيرتهم، ثم محاولتهم التّملّص من العقاب إما بالإنكار أو بالغياب عن المشهد كلية، والنّاس يومئذ بين ناج وهالك، والشّهادة تكون له أو عليه، ولذا لم يذكر المتعلق بـ"على" أو "اللام" في الشّهيد الأول، بينما ذكر ذلك في شهادة الرّسول: (عَلَى هَؤُلآَءِ) فتكون الإشارة فيه إلى الذين دعاهم الرّسول ولم يستجيبوا، أي الكفار والمنافقين لحضورهم في ذهن السّامع، وقد تقدم ذكر أوصافهم في قوله تعالى: (الذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً). وقيل: إن الإشارة هي للمرسلين الشّهداء على أممهم في قوله: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً). وقد ورد في الحديث الصّحيح: "أن نوحا يشهد على قومه وأنهم يكذبونه فيشهد محمد عليه السلام بصدقه". وقد وري أن عبد الله بن مسعود: "طلب منه رسول الله أن يقرأ عليه شيئا من القرآن لأنه يحبّ أن يسمعه من غيره. فقرأ ابن مسعود سورة النّساء حتى بلغ هذه الآية فقال له الرّسول: أمسك، فإذا عيناه تذرفان".(1)
(1) 1 - رواه البخاري من حديث ابن مسعود، كتاب التفسير، باب فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، حديث 4306، 4/ 1673 ..