نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٢٣٧على ذكر أهل الكتاب والتّعجيب من مواقفهم وضلالاتهم مع إقامة الحجة عليهم واستجاشة للوازع الدّيني فيهم اقتضى المقام أن يوجّه إليهم هذا الخطاب بأسلوب التّرغيب فجيء بصلة مخالفة لما قبلها من أسلوب التّرهيب. فهم هنا مشرَّفون بما أوتوه من الكتاب كلّه لا بالنّصيب منه كما تقدم، وهذا الخطاب يثير همّتهم إلى أن يكونوا أهلا لذلك التّشريف، فلا يصدر منهم ما يخالف كتابهم سيما في الإقرار بنبوءة رسول الله. فقد دعاهم الله إلى الإيمان بالقرآن، وقد عظّم الله شأنه بأنه منزّل من عند الله باستعمال صلة: (بِمَا نَزَّلْنَا) دون الاسم العلم.
وقوله تعالى: (مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم) أي التّوراة، واستعمال الصّلة هنا أيضا بمثل هذا التّعبير يشعر بأن التّوراة كتاب مستصحب عندهم دون دراية لما فيه من العلم ولا تطبيق عملي لما فيه من الشّرائع والأحكام. وليس ذلك انتقاصا من قيمة التّوراة، ولكنه إيماء لموقف اليهود منها. وما أدق تعبير القرآن، فلم يقل مثلا: مصدّقا لما أنزل إليكم.
وقوله تعالى: (مِن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً) تهديد ووعيد إن هم تلكؤوا في الإيمان حتى حان وقت العذاب. والطّمس في حقيقته ومجازه يعني في كل حالة إزالة ما كانوا ينعمون به من حظوة ووجاهة أو هناء واستقرار. واستعارة كلمة: (وُجُوهاً) مناسبة لتشخيص ذلك العنت والخزي الذي يحلّ بهم. وأيّا ما حملنا عليه الطّمس حقيقة أو مجازا فإن لتغيّر الوجه في الخِلقة بالمسخ، أو ظهور آثار الحزن والكآبة عليه بالذلّ والهوان لشاهدا على وضعية صاحبه التي يبدو بها في أعين النّاس لا تحتاج إلى شرح أو توضيح كما قال الشّاعر العربي:
لا تسأل المرء عن خلائقه في وجهه شاهد من الخبر.
وكما قال تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالاُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ’ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ) (النحل:58).