نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٢٣٨

وقوله تعالى: (فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) العطف بالفاء للتّعقيب، أي أن الأمرين يحصلان لهم معا، وهو أيضا يحتمل الحقيقة والمجاز، وذلك إما أن يردّهم الله من حيث أتوا من الشّام أو غيرهم بإجلائهم من بلاد العرب كلها، وقد عزم الرّسول على أن يفعل بهم ذلك عندما تمادوا في الغدر والخيانة، غير أن الموت قد عاجله قبل أن يتم ذلك، وإما ينكّس رؤوسهم بالذّل والمهانة فيفقدون ما كان عندهم من الوجاهة والحظوة والعزة، وقد حصل لهم هذا الوعيد.

وأردف الله هذا الوعيد باللّعن وهو الخزي والطّرد من رحمة الله كما فعل من قبل بأصحاب السّبت عندما اعتدوا على حدود الله بالصّيد يوم السّبت كما قال تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذِينَ اَعْتَدَوْا مِنكُم فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة:65).

(اِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرَى إِثْماً عَظِيماً):

الجملة إما مستأنفة أو متعلقة بما قبلها، ووجه تعلّقها بما قبلها أن الله تعالى لما رَغَّبَ اليهود في الإسلام وتهدّدهم إن أعرضوا بعذاب واقع، أعلمهم هنا بأن الله يتجاوز عنهم عند حصول إيمانهم فيرفع عنهم العذاب، لأن الوعيد الشّديد إنما هو لجريمة الشّرك والكفر، فأمّا سائر الذّنوب فالله تعالى قد يغفرها بعد التّوبة. وقيل في سبب النّزول: "أن الرّسول تلا على النّاس وهو على المنبر قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53): فقام رجل وقال: والشّرك بالله فسكت الرّسول وردّدها الرّجل ثلاثا حتى نزلت هذه الآية".(1)

(1) 1 - أنظر الرواية في ذلك: الطبري، جامع البيان، 5/ 125.

١٬١٠١ / ٦٬٢٠١