نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٢٥٩

والضّمير في: (تَنَازَعْتُمْ) راجع للذين آمنوا، وهو شامل لكلّ من يمكن أن يقع التّنازع بينهم ما عدا رسول الله إذ قال الله عنه: (فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الامْرِ) (الحج:67). ولفظ "شيء" في حيّز الشّرط يفيد العموم، والمقصود به تعميم الحوادث وكل أنواع الاختلاف. يقول الشّيخ الطّاهر بن عاشور: "فكل هذا الاختلاف والتّنازع مأمور أصحابه بردّ أمره إلى الله والرّسول، وردّ كل نوع من ذلك يتعيّن أن يكون بحيث يرجى معه زوال الاختلاف وذلك ببذل الجهد والوسع إلى الوصول إلى الحق الجلي في تلك الأحوال".(1)

ولا يتأتى هذا التّحاكم إلى الله والرّسول من ذوى الرأي والعلم والنّظر إلا بمراقبة الله تعالى في طلب الحق والرّكون إليه عند النّزاع والخلاف، لأن إيثار الغلبة في الجدال والمراء أو التّعصّب المذهبي، أو التّملّق لذوي الجاه والسّلطة كلّ ذلك لا يغني من الحق شيئا، ولذلك جيء بهذا التّحذير الإلهي في صيغة الشّرط الدّالة على كمال الإيمان بعدما خوطبوا بـ"يا أيها الذين آمنوا"، لأن المؤمن الوفي لا يؤثر على حكم الله شيئا، والإيمان باليوم الآخر يكفكف من غلواء حبّ الدّنيا فلا يركن المؤمن به إلى هواه، بل يذعن لحكم الله ابتغاء مرضاته.

وقوله تعالى: (ذاَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً) للتّنويه بشأن ذلك الرّدّ المطلوب بأنه خير لما فيه من النّفع لجماعة المسلمين في المحافظة على وحدة صفّهم وجمع كلمتهم. وقيل: إن الإشارة في هذه الآية مع الشّرط الوارد فيها يتعلّق بكلّ ما تقدم من طاعة الله وطاعة الرّسول وأولي الأمر ورجّح ذلك بعض المفسرين، ويبدو -والله أعلم- أن التّهديد الذي يتضمنه هذا الشّرط إنما يناسب الأمر الأخير في الاحتكام إلى الله والرّسول عند التّنازع.

(1) 1 - لطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 5/ 100.

١٬١٢٢ / ٦٬٢٠١